ريتشارد ميلن - هنري فوي
انشغل القادة الأوروبيون لأشهر بمسألة كيفية الرد على رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجامحة في ضم غرينلاند، إلا أن الحيرة صارت قلقاً كبيراً خلال الأيام الأخيرة.
وزاد إصرار ترامب المتكرر على سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند من حليفتها المقربة الدنمارك من حالة الفوضى داخل عواصم الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بشأن كيفية الرد على أمريكا في قضايا جيوسياسية أخرى، بما في ذلك الهجوم الأمريكي على فنزويلا وموقفها المتردد تجاه الحرب المتواصلة بين روسيا وأوكرانيا.
وقال مسؤول أوروبي رفيع المستوى: «إنه خط رفيع. التضامن مع الدنمارك واضح جلي للجميع. وهناك فنزويلا، حيث لا أحد يأسف لرحيل نيكولاس مادورو، لكن ثمة مسائل قانونية.
كما أننا نريد الحفاظ على دعم الولايات المتحدة من أجل التوصل إلى حل مرض في أوكرانيا». وقال مسؤول ثانٍ في الاتحاد الأوروبي: «نعرف من لم يعد من حلفائنا.
لكننا ما زلنا نأمل أن نكون مخطئين وأن تزول المشكلة»، في إشارة إلى تجاهل ترامب للتحالف العريق عبر الأطلسي وضرورة تقليل أوروبا لاعتمادها على واشنطن. وأضاف: «نعرف ما يجب فعله، لكن علينا فقط أن نفعله».
وأصدر قادة أوروبيون، من بينهم رؤساء وزراء فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، بياناً مشتركاً لدعم غرينلاند.
وجاء في البيان الذي وقعت عليه أيضاً إيطاليا وبولندا وإسبانيا والدنمارك: «منطقة القطب الشمالي أولوية لحلف الناتو.
والحلفاء الأوروبيون يبذلون جهوداً أكبر. لكن غرينلاند ملك لشعبها. ومن حق الدنمارك وغرينلاند وحدهما البت في شؤونهما».
وقد جاء الدعم سريعاً من جيران الدنمارك وغرينلاند في دول الشمال والبلطيق، ثم تبعهم آخرون.
لكن قلة قليلة أدانت الولايات المتحدة صراحةً، ولم يذكر أحد ترامب بالاسم، رغم أن الرئيس الأمريكي كرر قوله «نحن بحاجة إلى غرينلاند» بعد ساعات فقط من مطالبة رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن له بالكف عن التهديدات بشأن هذه الجزيرة القطبية الشاسعة.
وصرح رئيس الوزراء البريطاني، السير كير ستارمر، بأنه «سيقف إلى جانب فريدريكسن ضد تهديد ترامب بضم غرينلاند»، وذلك في ظل ضغوط من خصومه السياسيين ونوابه على حد سواء للتصدي للبيت الأبيض.
وقال ستارمر لشبكة سكاي نيوز: «الدنمارك حليف وثيق أوروبياً، وحليف وثيق في حلف الناتو، ومستقبل غرينلاند يجب أن يكون لغرينلاند ومملكة الدنمارك فقط».
وحذر مسؤولون أوروبيون من أن العملية العسكرية للقبض على مادورو تشير إلى أن ترامب لا يكترث بالقانون الدولي، وأن خطابه بشأن غرينلاند يجب أن يؤخذ على محمل الجد.
وأكد نائب رئيس أركان ترامب، ستيفن ميلر، على هذه التهديدات الاثنين، مصرحاً لشبكة سي إن إن قائلاً: «يجب أن تكون غرينلاند جزءاً من الولايات المتحدة.. ولن يخوض أحد حرباً عسكرية ضد الولايات المتحدة من أجل مستقبل غرينلاند».
في المقابل، فإن الخوف المتأصل من انتقاد ترامب، نظراً لاعتماد الدول على واشنطن في دعم أوكرانيا وضمانات الأمن لأوروبا، أدى إلى انقسامات كبيرة حول كيفية التعامل مع الموقف. وحذرت فريدريكسن من أن تكرار طموحات الولايات المتحدة بشأن غرينلاند قد يهدد مستقبل حلف الناتو.
وقالت: «إذا هاجمت الولايات المتحدة دولة أخرى من دول الناتو، فسيتوقف كل شيء».
وقال إدغارس رينكيفيتش، رئيس لاتفيا، إن «الاحتياجات الأمنية المشروعة للولايات المتحدة يُمكن تلبيتها من خلال حوار مباشر بين الدنمارك والولايات المتحدة».
وقد صرح مسؤولون دنماركيون مراراً وتكراراً باستعدادهم للتفاوض مع ترامب بشأن تعزيز الأمن في القطب الشمالي.
وبموجب اتفاقية دفاعية عمرها 75 عاماً، تمتلك الولايات المتحدة بالفعل القاعدة العسكرية الوحيدة في غرينلاند، وقد أبدت السلطات المحلية في السنوات الأخيرة انفتاحاً على توسيعها أو إنشاء قاعدة جديدة.
إلا أن الولايات المتحدة خفضت وجودها في الجزيرة القطبية من ذروة خلال الحرب الباردة تجاوزت 10,000 جندي إلى أقل من 200 جندي حالياً.
كما أكد وزراء غرينلاند بأن جزيرتهم «مفتوحة للاستثمار». لكن المسؤولين يقولون إن المستثمرين الأمريكيين لم يُبدوا اهتماماً كبيراً بصناعة التعدين الناشئة.
وقال دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى: «الشيء الوحيد الذي لم يعرضوه بعد هو أمر لا يمكنهم عرضه أبداً: أن تصبح غرينلاند جزءاً من أمريكا». وأضاف آخر: «ليسوا بحاجة لضمها. بإمكانهم الحصول على كل ما يريدون.
وهذا ما يجعل الأمر محيراً للغاية». ويقول مسؤولون دنماركيون إن ترامب حاول في البداية الضغط على كوبنهاغن لإخضاعها، قبل أن يُغير تكتيكه على ما يبدو لمحاولة استمالة سكان غرينلاند مباشرةً. وتساءل أحدهم: «لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هذا ما يُقلقنا».
وتعد قضية غرينلاند حساسة للغاية بالنسبة لحلف الناتو وأمينه العام مارك روته.
فأي عمل عسكري أمريكي للاستيلاء على الجزيرة سيؤدي إلى صراع مباشر بين حليفين، ما يشكك في بند الدفاع المشترك الأساسي للحلف، وربما يجبر الأعضاء الثلاثين الآخرين على الانحياز لأحد الطرفين.
وكثيراً ما ردد مسؤولو حلف الناتو تأكيد ترامب على أن غرينلاند عنصر أساسي لأمن القطب الشمالي، وأكدوا أن الحلف قادر على تعزيز تركيزه الجماعي على المنطقة في محاولة لدحض حججه الداعية إلى ضمها.
ويشير المسؤولون إلى تغير في موقف أعضاء آخرين في حلف الناتو في المنطقة، والذين باتوا يدعمون الآن قيام الحلف بدور أكبر في القطب الشمالي، وإلى النجاح الذي حققته كندا في إخماد خطاب ترامب السابق حول ضمها إلى الولايات المتحدة، وذلك جزئياً من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي.
وقد قلل ترامب من شأن مسلك الدنمارك، مدعياً أنها لم تضف سوى «زلاجة تجرها الكلاب» فقط إلى دفاعها عن غرينلاند، رغم أن كوبنهاغن أعلنت في أكتوبر الماضي أنها ستنفق 4.2 مليارات دولار على وحدتين عسكريتين، ومقر قيادة جديد للقطب الشمالي، وسفينتين، وطائرات دورية بحرية، وطائرات مسيرة، ووحدات رادار للمراقبة الجوية، وكلها في غرينلاند.
وأكدت تصريحات ترامب الأخيرة بشأن غرينلاند على أهميتها «للأمن»، حيث قال العديد من مستشاريه إن هذه الجزيرة القطبية، مثل فنزويلا، تندرج ضمن مفهوم «الدفاع عن نصف الكرة الأرضية» لموقعها الجغرافي في أمريكا الشمالية.
لكن المفوضية الأوروبية شددت على رفضها أي مقارنات بين فنزويلا وغرينلاند.
وقالت: «غرينلاند حليف للولايات المتحدة، وهي أيضاً عضو في حلف الناتو، وهناك فرق كبير جداً.
لذلك، ندعم غرينلاند تماماً، ولا نرى بأي حال من الأحوال أي وجه للمقارنة مع ما حدث في فنزويلا».