روشير شارما
بدأ العام الماضي بإجماع شبه عالمي على أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة الجديرة بالاستثمار.
وانتهى العام بتفوق الأسواق المنافسة على الولايات المتحدة بفارق كبير، محققة عوائد أعلى بمرتين، ما جعل أمريكا تبدو أقل تميزاً بوضوح.
السؤال الآن هو: كيف ومتى سينتهي جنون الذكاء الاصطناعي، وماذا سيعني ذلك للعالم؟ إليكم مجموعة من أهم الاتجاهات المتوقعة لعام 2026:
استناداً إلى إطار عملي لرصد الفقاعات، يستوفي الذكاء الاصطناعي الآن جميع المعايير بدرجات متفاوتة؛ فالسوق الأمريكية التي يقودها الذكاء الاصطناعي مبالغ في تقييمها، وهي تشهد إفراطاً في الاستثمار، وإفراطاً في المديونيات، وربما الأهم من ذلك، مفرطة في التملك، فأمريكا اليوم هي الدولة الكبرى الوحيدة التي تمتلك فيها الأسر ثروات في الأسهم تفوق ثرواتها في العقارات.
فعلى مدار القرن الماضي، سبق انفجار كل فقاعة كبيرة، من الولايات المتحدة عام 1929 إلى اليابان عام 1989 والصين عام 2015، تشديدٌ للسياسة النقدية من قِبل البنوك المركزية.
وخلال القرن التاسع عشر، انفجرت سلسلة من فقاعات السكك الحديد في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وسط أشكالٍ مختلفة من التشديد، منها تشديد الرقابة على الإقراض بالهامش والتحوّل إلى معيار الذهب، الذي حد من المعروض النقدي.
- أزمة القدرة على تحمل التكاليف تدفع أسعار الفائدة إلى الارتفاع:
وينفق ما يقرب من ثلث الأمريكيين ذوي الدخل المنخفض 95% على الأقل من دخلهم على الضروريات اليومية فقط.
ولن يؤدي المزيد من الإنفاق إلا إلى زيادة ترسيخ التضخم. وقد فشل الاحتياطي الفيدرالي بالفعل في تحقيق هدفه البالغ 2% لمدة 55 شهراً متتالية.
والمثير للدهشة أن عجز الميزانية الأمريكية انخفض في عام 2025، مدعوماً بعائدات الرسوم الجمركية الضخمة، لكن الآن، وفي ظل إدارة أقرت تخفيضات ضريبية جديدة وتخطط لمزيد من الحوافز، يبدو أن عجز الميزانية سيعود ليتجاوز 6% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام.
وقد تكون الولايات المتحدة هي الآتية في عام 2026، ويمكن أن تواجه عواقب وخيمة محتملة، نظراً لاعتماد اقتصادها المالي المفرط بشكل كبير على ثقة المستثمرين.
- تفوق الأسواق العالمية
ففي عام 2025، ضخّ المستثمرون الأجانب أموالاً في الأسهم والسندات الأمريكية بمعدل 1.7 تريليون دولار، وهو ما يكفي لتمويل عجز الحساب الجاري الأمريكي بالكامل، وأسهم في تحقيق توازن أكبر في الميزانية الأمريكية مقارنةً بأي وقت مضى منذ بدء تسجيل البيانات، لكن في حال تراجعت الثقة بالولايات المتحدة، ستؤدي التدفقات الخارجة إلى إضعاف الدولار بشكل ملحوظ.
تاريخياً، ثمَّ ارتباط وثيق بين انخفاض قيمة الدولار وتسارع عوائد أسواق الأسهم العالمية.
ورغم أن «الاستثنائية الأمريكية» ربما تكون قد بلغت ذروتها، إلا أن هذا التحول لا يزال أمامه مجال كبير للاستمرار، نظراً للفجوة الكبيرة بين القيمة السوقية الأمريكية وحصتها البالغة 26% من الاقتصاد العالمي.
ومع إدراك المستثمرين العالميين للأخطار في الولايات المتحدة والفرص المتاحة في أماكن أخرى، من المرجح أن تزداد التدفقات إلى الأسواق المنافسة في عام 2026.
وتشهد الأسواق الدولية تداولاً بخصم كبير يصل إلى الثلث مقارنةً بالولايات المتحدة، على الرغم من تحسن المؤشرات الأساسية لمصلحتها.
وخلال العقد الماضي، لم يسجل سوى نصف الاقتصادات الناشئة نمواً أسرع في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مقارنةً بالولايات المتحدة، لكن هذه النسبة ارتفعت بشكل حاد العام الماضي، وهي في طريقها للوصول إلى ما يقرب من 90% في السنوات الخمس المقبلة.
- تألق متوقع لأسهم الجودة
وقد أدى ازدهار الذكاء الاصطناعي إلى تغذية سلوك المخاطرة وارتفاع أسعار الأسهم ذات الربحية المنخفضة والديون المرتفعة والتقلبات العالية. كما قاد ذلك إلى ابتعاد المستثمرين عن أسهم الجودة العام الماضي.
ومع ارتفاع عمليات البحث على جوجل عن «فقاعة الذكاء الاصطناعي» بشكل كبير، بدأ المستثمرون بالبحث عن خيارات أكثر أماناً.
وقد تفوقت الأسهم عالية الجودة، كفئة، على المؤشرات العالمية بنحو 2.5% سنوياً على مدى الثلاثين عاماً الماضية، ما يُترجم إلى تفوق هائل في العوائد التراكمية خلال تلك الفترة: نحو 2600% مقابل 1200%.
وتتركز هذه المجموعة عالمياً في القطاع الصناعي، يليه القطاع المالي وشركات السلع الاستهلاكية غير الأساسية.
وغالباً بعد فترات مماثلة من الأداء الضعيف وهذه التقييمات المنخفضة نسبياً، حققت هذه الأسهم عوائد برقمين. وهذا يضعها في وضع جيد للتعافي في عام 2026.
- قناعان يخفيان مشكلات الصين
فبعد سنوات من الأداء الضعيف، صنف مستثمرون عالميون عدة الأسواق الصينية على أنها «غير قابلة للاستثمار»، ما جعلها رخيصة بشكل غير منطقي وجذابة كثيراً بحلول نهاية عام 2024.
لذلك، فقد انتعشت بقوة العام الماضي، بشكل رئيسي بفضل التفاؤل المُعزز بالذكاء الاصطناعي، لأنه باستثناء قطاع التكنولوجيا، عانى باقي سوق الأسهم الصينية من نمو سلبي في الأرباح.
لكن قوة قطاع التصدير هي السمة المميزة له، خاصة أنه يُوسع حصته في الأسواق العالمية ويدعم الاقتصاد ككل. ومن دون طفرة الصادرات، لن يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي 3%، وهو أقل بكثير من المعدل المعلن رسمياً البالغ نحو 4%.
فقد تجاوز إجمالي ديون الصين، ومنها ديون الأسر والشركات، 300% من الناتج المحلي الإجمالي، كما تجاوز عجزها المالي المُضخّم (الذي يشمل حكوماتها المحلية ذات النفوذ) 11% من الناتج المحلي الإجمالي.
ونظراً لنقص الأموال اللازمة للتحفيز، ستواجه بكين صعوبة بالغة في زيادة الإنفاق، وسيستمر أداء الاقتصاد المحلي في التراجع.
- «الإغراق الصيني» سيكون محوراً للنقاش
ونتيجة لذلك، تواصل الصين اكتساب حصة كبرى في السوق العالمية على حساب الدول المُصدّرة المنافسة، ومنها ألمانيا وفرنسا واليابان من بين الاقتصادات المتقدمة، وقوى صناعية راسخة عدة في العالم النامي.
وتُعدّ دول جنوب شرق آسيا وشرق أوروبا وأفريقيا الأكثر تضرراً، حيث انخفضت نسبة التصنيع فيها بشكل ملحوظ، لا سيما خلال العام الماضي.
وتتزايد بوادر ردود فعل حادة. فقد تضاعف عدد التحقيقات التجارية المتعلقة بالإغراق الصيني أكثر من مرتين منذ عام 2023 ليصل إلى 120 تحقيقاً على مستوى العالم.
ومن اليابان وكندا إلى المكسيك وتايلاند، بدأت دول عدة فرض تعريفات جمركية انتقامية على الصين. ويدرس الاتحاد الأوروبي تطبيق قواعد «صُنع في أوروبا». وقد حذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً في بكين من اختلالات تجارية «لا تُطاق».
- أمريكا الجنوبية تتجه لليمين بشكل حاد
وكما قال الرئيس التشيلي السابق سيباستيان بينيرا ذات مرة، فإن أمريكا اللاتينية تتجه يساراً في أوقات الرخاء، ويميناً في أوقات الشدة. والأوضاع الآن ليست جيدة. فالناخبون قلقون بشكل متزايد بشأن الجريمة والفساد والتضخم.
وخلال العام الماضي، كانت هذه المنطقة موطناً لأفضل الأسواق أداءً في العالم، حيث ارتفعت بنسبة تزيد على 50% في المتوسط، مقارنةً بنسبة 30% في الأسواق الناشئة ككل و16% في الولايات المتحدة.
- تحرير الأسواق ينتشر عالمياً
وتشير مؤشرات عدة إلى انخفاض التكاليف التي تفرضها اللوائح التنظيمية في الولايات المتحدة، ويحاول كثير من دول العالم الآن المنافسة.
وحتى أوروبا، «وادي سيليكون اللوائح التنظيمية»، يبدو أنها باتت تدرك أن ابتكار قواعد جديدة ليس بالضرورة في مصلحة اقتصاداتها.
ويمكن لأحد المقترحات أن يخفض عدد الشركات الخاضعة لقواعد الاستدامة البيئية للاتحاد الأوروبي من نحو 50 ألف شركة إلى أقل من 2000 شركة.
وأسهم «ترشيد الإجراءات البيروقراطية» في تقليص مدة تخليص البضائع من الجمارك في ماليزيا من أيام إلى دقائق.
وتُنشئ الهند هيئةً خاصةً بها لتحرير القطاع الحكومي، وإن كان ذلك بهدوءٍ أكبر بكثير مما شهدت الولايات المتحدة الأمريكية.
ها هو ذا التمرد الهادئ ضد الدولة التنظيمية يكتسب زخماً، ومن المرجح أن يتسارع هذا العام.
- انهيار الهجرة مع إغلاق دول غربية عدة أبوابها،
من المرجح أن يتزايد الأثر الاقتصادي لهذا التحول التاريخي ضد الهجرة وينتشر في عام 2026. ومن الواضح أن الانهيار مُذهل، ولا يقتصر على الولايات المتحدة.
تُشير أحدث التقديرات إلى أنه من ذروة غير مسبوقة في عام 2023، انخفض صافي الهجرة العام الماضي بنسبة 85% إلى 500 ألف وافد جديد فقط في الولايات المتحدة، وبنسبة 50% إلى 1.2 مليون في الاتحاد الأوروبي.
وفي المملكة المتحدة، كانت الهجرة بلغت ذروتها قبل عام، ليأتي بعد ذلك انخفاض حاد بالقدر نفسه. فقد تراجع صافي الهجرة بنسبة 75% ليصل إلى 200 ألف مهاجر.
فقد خفّض الاتحاد الأوروبي حركة عبور الحدود بأكثر من 20% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، وسرع عملية رفض طلبات اللجوء، وقدّم حوافز مالية ودبلوماسية للدول الأجنبية لقبول العائدين ومنع المغادرة.
وقد أغلقت دول كانت تجذب المهاجرين سابقاً، مثل كندا وأستراليا، أبوابها أمامهم، ما أدى إلى انخفاض تدفق الطلاب الدوليين وخفض عدد تصاريح الإقامة الدائمة.
وحتى في إسبانيا، التي ربما تكون الدولة الغربية الكبرى الوحيدة التي لا تزال أبوابها مفتوحة، تتزايد المعارضة ضد المهاجرين في استطلاعات الرأي، ما يعزز حظوظ الأحزاب اليمينية.
ووسط مخاوف واسعة النطاق من تهديد الذكاء الاصطناعي للوظائف، فإن استمرار حملات مكافحة الهجرة سيدفع باتجاه معاكس، حيث يؤدي ذلك إلى تقلص القوى العاملة ومنح النقابات مزيداً من النفوذ التفاوضي، ما قد يزيد من تكاليف العمالة ويفاقم ضغوط التضخم في عام 2026.
