الولايات المتحدة تخسر معركتها أمام شركات التكنولوجيا العملاقة

ستيفانيا بالما
تتعثر جهود واشنطن لتفكيك شركات التكنولوجيا العملاقة، بعد سلسلة انتكاسات في العديد من قضايا الاحتكار الكبرى، ما يُلقي بظلال من الشك على استراتيجية الحكومة لكبح جماح بعض أكبر الشركات في العالم.

وعلى مدار العام الماضي، كافح المسؤولون الفيدراليون لإقناع القضاة بإصدار أوامر لشركات التكنولوجيا، بما في ذلك غوغل وميتا، بفصل أجزاء كبيرة من أعمالها، مثل متصفح كروم ومنصة التواصل الاجتماعي إنستغرام.

شكّلت هذه الحملة لتفكيك بعض أكبر الشركات الأمريكية، والتي بدأت خلال إدارة ترامب الأولى وتوسعت في عهد جو بايدن، أكبر تحدٍّ منذ عقود لسلوك قطاع التكنولوجيا المناهض للمنافسة.

وحقق المدعون العامون بعض الأحكام التاريخية التي تُثبت احتكار شركات التكنولوجيا غير القانوني. لكن القضاة كانوا مترددين في اللجوء إلى توقيع أشد العقوبات وتفكيك الشركات أو إلغاء عمليات الاستحواذ، غالباً بعد سنوات عديدة من وقوعها.

مع استمرار النظر في قضايا الاحتكار ضد شركتي آبل وأمازون، أثارت هذه القرارات تساؤلات حول نهج الحكومة لكبح جماح نفوذ عمالقة التكنولوجيا.

قال جوناثان كانتر، الرئيس السابق لقسم مكافحة الاحتكار في وزارة العدل، والذي كان من أبرز مسؤولي إنفاذ قوانين المنافسة في عهد جو بايدن: «أتمنى لو كانت المحاكم أكثر حسماً». وأضاف إن الأحكام تشير إلى أن الولايات المتحدة كانت بطيئة للغاية في التحرك «في الوقت المناسب».

وتتيح انتكاسات العام الماضي فرصة جديدة لرؤساء شركات التكنولوجيا الذين سعوا لكسب ود إدارة ترامب، لتكثيف جهودهم للضغط من أجل التراجع عن تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار بصرامة.

وكان لسرعة التغير التكنولوجي، ولا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي، تأثير كبير في الأحكام التي انحازت لصالح شركات التكنولوجيا الكبرى.

وقال مايكل كارير، أستاذ القانون في جامعة روتجرز، إن «الطبيعة سريعة التغير لهذه الأسواق، وخاصة في ظل التحسينات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي، تُشكل عقبات» أمام هيئات مكافحة الاحتكار، مضيفاً إن الحكومة تواجه «مهمة شاقة».

وفي إحدى القضايا المرفوعة ضد غوغل، قضى القاضي أميت ميهتا في أغسطس بأن الشركة أنفقت مليارات الدولارات على صفقات حصرية للحفاظ على احتكار غير قانوني في مجال البحث على الإنترنت، لكنه منح الشركة انتصاراً كبيراً في سبتمبر عندما رفض إصدار أمر ببيع متصفح كروم أو نظام التشغيل أندرويد، حسب ما طلبت وزارة العدل.

وقال ميهتا إن التهديد الذي تُشكّله روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لأعمال جوجل في مجال البحث، والتي تُقدّر بنحو 200 مليار دولار سنوياً، كان حاسماً في قراره بفرض عقوبات أقل صرامة. وكتب في قراره: «لقد غيّر ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي مسار هذه القضية».

وأشار القاضي جيمس بواسبيرغ، الذي يرأس قضية لجنة التجارة الفيدرالية ضد شركة ميتا، إلى أن «القفزة الهائلة في مجال الذكاء الاصطناعي» قد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي جذرياً منذ استحواذ مجموعة ميتا على إنستغرام وواتساب في عامي 2012 و2014، وهما صفقتان سعت الهيئة التنظيمية إلى إلغائهما.

وقد قبل القاضي حجة ميتا بأنها تواجه منافسة شرسة من تيك توك، الذي وصفه بأنه «انتشر بسرعة كبيرة» منذ دخوله السوق الأمريكية عام 2018. وفي نوفمبر الثاني، قضى بواسبيرغ بأن ميتا لا تحتكر السوق بشكل غير قانوني.

أصدرت القاضية ليوني برينكيما، المشرفة على قضية جوجل المنفصلة المتعلقة بالإعلانات، حكماً في أبريل بأن الشركة احتكرت «عمداً» أجزاء من سوق الإعلانات الرقمية، لكن في جلسة استماع نهائية عُقدت في نوفمبر، أعربت عن قلقها إزاء طلب المدعين العامين تقسيم أعمال غوغل الإعلانية، ومدى سهولة تنفيذ مثل هذا الأمر.

وأشارت برينكيما إلى عدم تحديد مشترٍ محتمل لبورصة إعلانات غوغل، قائلةً إنها «قلقة» من أن يكون التنازل المحتمل «مجرداً إلى حد كبير». وأضافت برينكيما إن «على المحكمة أن تكون أكثر واقعية». ومن المتوقع أن تصدر قرارها هذا العام.

وأرست قضيتا غوغل وميتا، اللتان رُفعتا خلال إدارة ترامب الأولى، عهداً جديداً في تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار، بعد عقود لم تسعَ خلالها الوكالات إلى اتخاذ إجراءات شاملة مماثلة ضد احتكارات شركات التكنولوجيا الكبرى وهو أمرٌ جُرّب آخر مرة على نطاق مماثل ضد مايكروسوفت بشكوى رُفعت عام 1998 من قِبل وزارة العدل.

وقد كثّف مسؤولو مكافحة الاحتكار في عهد بايدن، بمن فيهم جوناثان كانتر والمفوضة السابقة في لجنة التجارة الفيدرالية لينا خان، دعاوى الاحتكار، متوسعين إلى قطاعات أخرى غير التكنولوجيا، ورفعوا قضية إعلانات غوغل، إضافة إلى دعاوى حول أن أمازون أضرت بعملائها ومنافسيها وبائعيها، وأن آبل احتكرت أسواق الهواتف الذكية.

وأكدت شركتا أمازون وآبل، اللتان ستُحاكمان في عام 2027، أن الدعاوى القضائية معيبة من الناحيتين الواقعية والقانونية.

وأظهرت قرارات قطاع التكنولوجيا الصادرة عام 2025 كيف يمكن لتأخيرات الإنفاذ أن تُقوّض الجهود المبذولة لمكافحة هيمنة السوق.

وقال كانتر: «كان ينبغي رفع دعاوى الاحتكار التي رُفعت خلال السنوات الأربع الماضية قبل عشر سنوات.. حينها كان يمكن أن تكون الحلول واضحة وقابلة للتحقيق». وأضاف: «لم تكن قرارات الامتناع عن اتخاذ إجراءات إنفاذ القانون صائبة»، لأنها تعني «ترسخ الاحتكارات».

ويخشى بعض الخبراء أن تُرسّخ بعض الأحكام نفور القضاة من الحلول الهيكلية، أو أن تُثني الجهات المسؤولة عن تطبيق القوانين عن ملاحقة قضايا الاحتكار، ما يفتح الباب أمام مرور الممارسات المُنافية للمنافسة دون عقاب.