واضطرابات سلاسل التوريد، والحرب في أوكرانيا، وربما حتى ارتفاع مستوى تركز الشركات - فقد فاز ترامب في الانتخابات جزئياً لأنه تمكن من إقناع عدد كافٍ من الناخبين الأمريكيين بأن التضخم هو خطأ جو بايدن.
وفي هذه الأثناء، وحتى مع تراجع ترامب عن بعض الرسوم على سلع غذائية مثل لحوم الأبقار والقهوة، فإن الرسوم الجمركية ذات الأرقام المزدوجة هي على الأرجح الوضع الطبيعي الجديد. ويظهر التاريخ أن خفضها بعد رفعها يستغرق سنوات.
ومعروف أن الإنفاق الرأسمالي تضخمي بطبيعته، لا سيما عندما لا يقترن بمكاسب إنتاجية فورية. والعديد من الاستثمارات التي تتدفق الآن، في مجالات تتراوح من صناعة السيارات إلى بناء السفن إلى الذكاء الاصطناعي وترقيات شبكة الطاقة اللازمة لدعمها، هي رهانات طويلة الأجل.
وهذا النموذج بأكمله - الذي كان انكماشياً - يتغير الآن، فأمريكا تريد العودة إلى البناء مرة أخرى، كما أن الصين ودول أخرى تريد الابتعاد عن الدولار. وهذه الحقائق تعقد جهود ترامب المتعثرة بالفعل لاسترضاء ناخبي «ماغا» الذين يعانون بشكل غير متناسب من مشكلات القدرة على تحمل ارتفاع التكاليف.
ومعالجة عجز واشنطن، وول ستريت»، فإن «المنطق السليم يشير إلى أن إعادة توطين الصناعة سيؤدي إلى عكس ذلك على أرض الواقع». وأنا أتفق تماماً مع هذا الرأي.
فالإنفاق الرأسمالي على المصانع والطاقة ليس هو الاتجاه التضخمي الوحيد المتوقع، لأن تكاليف الرعاية الصحية آخذة في الارتفاع أيضاً. وليس من قبيل الصدفة أن جوهر معركة الإغلاق الحكومي الأخيرة كان الرعاية الصحية، خاصةً استحقاقات برنامج «ميديكيد».
وبينما تركزت معظم نقاشات التضخم على التعريفات الجمركية، يمكن للمستهلكين في كثير من الأحيان اختيار عدم شراء سلع ترتفع أسعارها، لكن لا يمكنهم اختيار عدم مواجهة حالة طوارئ صحية، وهو ما يُعد في الولايات المتحدة سببًا رئيسيًا للإفلاس. فالرعاية الصحية قضية تؤثر على الجميع، وليس فقط على الطبقة العاملة.
وهو ما يعني أن الأفراد يجب أن يتوقعوا الحصول على ما هو أقل مقابل دفع المزيد. ومثل البقالة، فإن هذه هي نوعية القضايا التي تُطرح على طاولة المطبخ وتترك صدى واسعاً في صناديق الاقتراع.
وبينما كان كثيرون يعلمون أن القدرة على تحمل التكاليف ستصبح مشكلة ترامب، فما لم نكن نعرفه هو أنه سيلجأ إلى نفس أدوات السياسة التي استخدمها الديمقراطيون لمحاولة معالجة هذه المشكلة.
ولننظر إلى فكرة إرسال الشيكات للأسر (وهو ما فعلته إدارة بايدن بموجب قانون خطة الإنقاذ الأمريكية عام 2021)، أو تصريح ترامب بأنه سيطلب مع وزارة العدل التحقيق مع قطاع تعبئة اللحوم بتهمة رفع الأسعار من خلال «التواطؤ غير المشروع، والتلاعب بالأسعار»، كما وصفها على مواقع التواصل الاجتماعي.
وهذا ما فعلته لينا خان حرفياً أثناء توليها رئاسة لجنة التجارة الفيدرالية في عهد بايدن، حيث أصدرت بياناً مشتركاً مع وزارة العدل حول الاحتكار في صناعة الدواجن، بالإضافة إلى تسليط الضوء على قضايا المنافسة في قطاع تعبئة اللحوم خلال ذروة ارتفاع التضخم في عهد بايدن عام 2022.
فلن يغير ذلك صورة التضخم في العام أو العامين المقبلين. في الوقت نفسه، ليس فقط الوضع الهيكلي، بل أيضاً الوضع الدوري، هو ما يؤثر على التضخم.
ووفقاً لتقرير صادر عن شركة أبحاث العملات، بلغ التضخم أدنى مستوياته في أبريل الماضي، وهو الآن في حالة ارتفاع دوري. ويخلص التقرير، الذي يحلل بيانات تمتد أكثر من 100 عام، إلى أن التضخم يتحرك في دورات مدتها أربع سنوات ونصف السنة في المتوسط منذ عام 1933.
ويشير التقرير إلى أن التضخم الدوري «نادراً ما انخفض إلى ما دون 3%، ولكنه غالباً ما استقر عند أدنى مستوياته بالقرب من 3%»، ويتوقع أن يرتفع التضخم ويبلغ ذروته في عام 2027. وإذا كان الأمر كذلك، فإن التبعات السياسية ستقع في النهاية على عاتق ترامب.
