راشيل ميلارد - لندن
تُجري شركة «إنفينيوم»، المالكة لمحرقة نفايات «بارك أدفر» شمال ويلز، اختبارات على تقنية جديدة تهدف إلى التقاط جزء من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المنبعثة من مداخنها، التي تبلغ نحو 218,967 طناً سنوياً.
وتسعى الشركة، المتخصصة في توليد الطاقة من النفايات، إلى تقليل بصمتها الكربونية، إلا أن طموحاتها تتجاوز مجرد خفض الانبعاثات؛ إذ تأمل مستقبلاً في تحقيق عائدات مالية من خلال بيع تخفيضات الكربون التي تحققها إلى مصانع ومحطات طاقة أخرى. قد يصبح هذا حقيقة واقعة بموجب تعديل مقترح لنظام تداول انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في المملكة المتحدة، والذي بموجبه سيتم تداول مخصصات إزالة الكربون جنباً إلى جنب مع المخصصات العادية للانبعاثات.
وتعتقد الحكومة البريطانية أن هذه التغييرات ستسهم في تمويل التقنيات الناشئة التي تزيل ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، سواء عبر سحبه من الهواء، أو كما تأمل الشركات، من خلال استخلاص الكربون المنبعث عند حرق رقائق الخشب أو النفايات المنزلية الحيوية، وهي تقنيات واجهت صعوبات في جذب التمويل اللازم. وقد أطلقت الحكومة استشارة في مايو من العام الماضي، ومن المقرر أن تنشر النتائج خلال العام الحالي.
إلا أن منتقدي هذه الخطة يحذرون من أن الحوافز المقدمة ليست كافية لتشجيع الاستثمار في تقنيات إزالة الكربون باهظة التكلفة، وأن هذه الخطط قد تقوض نظام تداول الانبعاثات الحالي، ما يضعف في نهاية المطاف جهود خفض ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. ويشيرون أيضاً إلى صعوبة التحقق ومراقبة ما إذا كان طن من الكربون قد تمت «إزالته» فعلياً.
وقال سام فان دن بلاس، مدير السياسات في «كاربون ماركت ووتش»، وهي مجموعة بحثية: «نعتقد أن التغيير سابق لأوانه، فقد يصرف الانتباه عن الأولوية الفورية المتمثلة في خفض الانبعاثات من مصدرها».
ويسلط هذا النقاش الضوء على التحدي الذي يواجه المشرعين حول العالم في تطوير آليات السوق للمساعدة في التخفيف من أثر تغير المناخ. وقد أضحت اليابان العام الماضي أول دولة تدرج عمليات إزالة الكربون في نظام تداول الانبعاثات الخاص بها، بينما يدرس الاتحاد الأوروبي أيضاً القيام بذلك.
وقد كان نظام تداول الانبعاثات البريطاني، الذي ترغب الحكومة الآن في إعادة ربطه بنظام الاتحاد الأوروبي بعد فك الارتباط عقب البريكست، أداة رئيسية في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، التي تبلغ حالياً 289 مليون طن سنوياً. وتملك المملكة المتحدة هدفاً ملزماً قانوناً بخفضها إلى الصفر بحلول عام 2050.
في ظل النظام الحالي، تخضع القطاعات المسببة للتلوث لسقف محدد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، يتناقص تدريجياً مع مرور الوقت، حيث يتعين عليها دفع تكاليف انبعاثاتها من خلال شراء تصاريح تصدرها الحكومة، يمكن لاحقاً تداولها في السوق الثانوية، فيما تصدر الحكومة أيضاً بعض التصاريح مجاناً، حيث يُعد كل تصريح بمثابة رخصة رسمية تتيح للشركات نفث طن من غاز ثاني أكسيد الكربون.
وستشهد خطة إعادة الهيكلة المقترحة قيام الحكومة البريطانية بإصدار تصاريح للشركات التي تثبت قدرتها على إزالة الكربون من الغلاف الجوي. وستتمكن هذه الشركات بدورها من بيع هذه التصاريح للجهات المسببة للتلوث لمساعدتها في الوفاء بالتزاماتها بموجب نظام تداول الانبعاثات. ورغم أن الشركات تمكنت منذ فترة طويلة من شراء أرصدة لإزالة الكربون لإظهار التزامها البيئي أمام المساهمين والعملاء من خلال موازنة انبعاثاتها، فإن هذه الخطوة ستكون الأولى في المملكة المتحدة التي يمكن للشركات فيها استخدام هذه الأرصدة للوفاء بمتطلباتها القانونية.
ويرى الوزراء البريطانيون أن السماح للجهات المسببة للتلوث بشراء هذه التصاريح يمكن أن يساعد في تسريع تطوير ما يسمى بتقنيات «إزالة غازات الدفيئة المهندسة». ووفقاً لمستشاري المناخ للحكومة البريطانية، الذين يدعمون إدخال تصاريح إزالة غازات الدفيئة، فإن هذه التقنيات، التي لا تعمل حالياً على نطاق واسع في المملكة المتحدة، ستحتاج إلى إزالة نحو 35.8 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً بحلول عام 2050.
وتأمل شركة «إنفينيوم» المالكة للمحرقة في الحصول على تصاريح إزالة للانبعاثات التي يتم التقاطها وتخزينها من حرق النفايات الحيوية أو العضوية، مثل بقايا الطعام.
كما تدعم شركة «دراكس»، أكبر مالك لمحطة طاقة الكتلة الحيوية في المملكة المتحدة، هذا المخطط، وقالت إن الخطط يمكن أن «تساعد في تسهيل نشر وتوسيع نطاق تقنيات إزالة الكربون».
وقال متحدث باسم وزارة أمن الطاقة وصافي الانبعاثات الصفرية في الحكومة البريطانية إنها «تسعى لدمج عمليات إزالة الغازات الدفيئة في نظام تداول الانبعاثات في المملكة المتحدة للمساعدة في تحقيق أهداف الحياد الكربوني، مع دعم النمو الاقتصادي». وأضاف المتحدث أن الحكومة لم تقرر بعد أي تقنيات الإزالة ستكون مؤهلة للحصول على المخصصات.
وتخطط الحكومة في البداية لإصدار بدل منتظم أقل مقابل كل بدل «إزالة» يتم تقديمه، وذلك للحفاظ على الحد الأقصى المخطط له على إجمالي البدلات وتجنب ردع المصانع عن القيام بالعمل الشاق المتمثل في خفض الانبعاثات من المصدر.
وفي الوقت نفسه، يرى البعض بأن سعر التصاريح قد لا يكون مرتفعاً بما يكفي لتشجيع تقنيات إزالة غازات الدفيئة المكلفة، حيث تقدر شركة «فيت» الاستشارية أن تكلفة الطاقة الحيوية مع تقنيات التقاط الكربون تبلغ حالياً نحو 330 ـ 400 إسترليني لكل طن من الكربون الملتقط، بينما تصل تكلفة الامتصاص المباشر من الهواء إلى نحو 990 ـ 1200 إسترليني للطن.
في المقابل، لا تتجاوز أسعار تصاريح الكربون في السوق البريطانية حالياً 50 جنيهاً إسترلينياً للطن. يقول فان دن بلاس: «تصل تكلفة بعض حلول إزالة الكربون التكنولوجية إلى مئات اليوروهات لكل طن من ثاني أكسيد الكربون»، مضيفاً أن «هذه التقنيات لن تتحقق بالأسعار الحالية».
ويؤكد المحللون أن التحقق من عمليات الإزالة ومراقبتها تشكل قضية محورية لنجاح المخطط. في حين تقول الحكومة إنها لن تسمح إلا بعمليات إزالة يكون فيها «التخزين المقدم متيناً للغاية، ومخاطر التسرب ضئيلة».
لكن النقاد يشيرون إلى أن الانبعاثات من سلاسل التوريد يصعب قياسها، كما أن استمرارية الإزالات لا يمكن اختبارها إلا بمرور الوقت. وطلبت هيئة تنظيم الطاقة البريطانية شركة «دراكس» العام الماضي التدقيق في سلسلة توريد الكتلة الحيوية الخاصة بها بعد الإبلاغ بشكل خاطئ عن بعض البيانات.
وقد طلبت الحكومة من معهد المعايير البريطاني المساعدة في تطوير معايير واضحة وموثوقة. كما حذر من أن إنشاء اعتمادات لعمليات إزالة الانبعاثات قد يكون مضراً بنظرة الناس إلى هذه المخصصات، ما يقوض في نهاية المطاف الحافز الحالي لخفض الانبعاثات. وقال: «أعتقد أن ذلك يُرسخ لدى الجهات الفاعلة في السوق تصوراً بأن هذين الأمرين قابلان للاستبدال. فإذا أزلت الانبعاثات، فلن تحتاج إلى تخفيفها. وهذا موقف بالغ الخطورة».
