باربرا موينز - ميليسا هيكيلا
كانت ولادة قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي عملية مطولة ومزعجة، ففي ديسمبر 2023، عمل المسؤولون الأوروبيون جاهدين لمدة 36 ساعة للاتفاق على التشريع الذي يعتبر الأول من نوعه في العالم.
كانت المخاطر كبيرة، فالنجاح يعني أن تقود بروكسل الطريق في صياغة قواعد شاملة لتوقعات تكنولوجية تحدث تحولاً في الاقتصاد العالمي. وكان هناك ضغط دولي هائل.
وأخيراً، في حوالي الساعة الواحدة صباحاً من يوم 9 ديسمبر من ذلك العام، توصل المفاوضون إلى اتفاق. ثم استبدل المفوض تييري بريتون ملابسه بسترة رسمية، وتوجه المشرعون للإعلان عن الإنجاز أمام الصحافة والإعلام. لكن بعد مرور ما يقرب من عامين، يبدو المزاج العام في بروكسل أقل تفاؤلاً بكثير.
وقد صمم قانون الذكاء الاصطناعي لاستغلال النفوذ الاقتصادي الأوروبي لإجبار الشركات على ابتكار ذكاء اصطناعي جدير بالثقة للمستهلكين الأوروبيين البالغ عددهم 450 مليون مستهلك.
وذلك من خلال نهج مرتبط بحجم المخاطر: حظر الاستخدامات الأكثر ضرراً، ومراقبة الأنظمة عالية المخاطر، وتخفيف تنظيم الأنظمة منخفضة المخاطر، إلا أن تعقيد القانون، وتسرعه في إدراج نماذج ذكاء اصطناعي مثل «شات جي بي تي»، وتطبيقه الفوضوي، حوّل القانون من رمز للقيادة الأوروبية إلى دراسة حالة لمن يقولون إن القارة تُعلي دائماً من شأن التنظيم على الابتكار.
ويوم الأربعاء الماضي، أجلت المفوضية الأوروبية جزءاً رئيسياً من قواعدها للذكاء الاصطناعي – في أول اعتراف رسمي بأن بروكسل تكافح من أجل حماية تشريعاتها الخاصة. والآن، يقف المسؤولون والشركات أمام سؤالين:
هل ذهب الاتحاد الأوروبي بعيداً في مساره وبسرعة مبالغة؟ وكيف يمكنه إصلاح اللوائح التنظيمية لتجنب ضياع فرصة الاقتصاد الأوروبي في سباق الذكاء الاصطناعي، فيما يكافح في الوقت نفسه لمواجهة منافسيه الجيوسياسيين؟
إن البقاء في سباق الهيمنة العالمية على الذكاء الاصطناعي أمر لازم لأوروبا، فقد أدى فشلها في إنشاء وتوسيع نطاق شركات التكنولوجيا العملاقة إلى توسيع فجوة الإنتاجية مع الولايات المتحدة.
وبعد فشلها في قيادة تقنيات أخرى، تريد بروكسل أن يكون الاتحاد الأوروبي «قارة للذكاء الاصطناعي»، لكن الكتلة تصارع بصعوبة لتطوير نظام الذكاء الاصطناعي في أوروبا وتسريع الاستثمار في التكنولوجيا على قدم المساواة مع القوى العظمى العالمية مثل الولايات المتحدة والصين.
ونجاح الاتحاد الأوروبي في إصلاح قواعده أمر يتجاوز حدود أوروبا بكثير حيث يعد قانون الذكاء الاصطناعي أول محاولة في العالم لتنظيم تقنية لديها القدرة ليس فقط على تعطيل جميع قطاعات الاقتصاد العالمي، بل أيضاً على الخروج عن السيطرة، مع عواقب لا يمكن التنبؤ بها. وإذا خففت بروكسل من تشريعاتها، فإن السؤال يصبح: من غير الاتحاد الأوروبي - إن وُجد - يمكنه وضع الحواجز؟
ومن المفارقة أن مساعي أوروبا لتنظيم الذكاء الاصطناعي كانت تهدف في الأصل إلى مساعدة التكنولوجيا الجديدة على الازدهار، وأصبح تنظيم السوق إحدى أولويات المفوضة الجديدة آنذاك، أورسولا فون دير لاين، في عام 2019 التي أعلنت أنها ستقدم أول قانون في العالم للذكاء الاصطناعي في غضون 100 يوم من تشكيل المفوضية الجديد، وفي ذلك الوقت، كانت هناك مخاوف من أن يؤدي انعدام ثقة الجمهور في منتجات الذكاء الاصطناعي إلى تباطؤ في تطوير هذه التقنية في أوروبا.
وأثناء التفاوض على القانون، تأثر المشرعون الأوروبيون بشدة بأخبار الذكاء الاصطناعي القادمة من الولايات المتحدة، حيث أدت أدوات التعرف على الوجه إلى اعتقالات زائفة، وأدت خوارزميات تقييم الائتمان المختلفة إلى نتائج متحيزة. وللسيطرة على هذه المخاطر، أرادت بروكسل الجمع بين قانون سلامة المنتجات التقليدي وحماية الحقوق الأساسية، مثل منع المراقبة الجماعية.
حينها، كان هناك إجماع عالمي على أن الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى قواعد. وكانت هذه الحال حتى بالنسبة لشركات التكنولوجيا الكبرى.
وفي عام 2020، زار مارك زوكربيرج، رئيس شركة «ميتا» بروكسل للقاء كبار المفوضين الأوروبيين، داعياً الحكومات إلى وضع قواعد جديدة للمحتوى عبر الإنترنت.
كما كانت هناك أيضاً العديد من مبادرات حوكمة الذكاء الاصطناعي التي أثرت على بعضها البعض، بما في ذلك مبادئ الذكاء الاصطناعي الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة السبع، وأمر تنفيذي من إدارة ترامب الأولى ينص على «مبادئ تنظيمية» لتطوير الذكاء الاصطناعي وفقاً للقيم الأمريكية.
وقال غابرييل مازيني، المؤلف الرئيسي لقانون الذكاء الاصطناعي في المفوضية الأوروبية: «كلما أنشأنا ذكاء اصطناعياً موثوقاً به، زادت قدرة أوروبا على تبني الذكاء الاصطناعي: كان هذا هو الهدف الأساسي».
لكن مع إطلاق شركة «أوبن ايه آي» لـ«شات جي بي تي» في أواخر عام 2022، أعيدت صياغة قانون الذكاء الاصطناعي مع تكثيف المفاوضات على عجل ليشمل القانون قواعد لنماذج الذكاء الاصطناعي للأغراض العامة، وهي أنظمة قادرة على توليد النصوص والصور والأكواد البرمجية، ويمكن استخدامها لأغراض متنوعة. ولم تتضمن المسودة الأصلية التي أعدتها الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي أي إشارة إلى نماذج اللغات الكبيرة، والتي كانت تعتبر حتى ذلك الحين تجريبية إلى حد كبير.
ويقول دانيال ليوفر، كبير محللي السياسات في مجموعة الحقوق الرقمية «أكسيس ناو»، إن قانون الذكاء الاصطناعي «ليس لائحة خاصة بـ«شات جي بي تي»، فهو لم يصمم ليكون كذلك قط».
وهكذا، كانت هناك عملية معقدة من الدمج بدأت بعد إصدار «شات جي بي تي»، علاوة على ذلك، دعت رسالة مفتوحة من معهد مستقبل الحياة في مارس 2023، موقعة من شخصيات مثل إيلون ماسك، وستيف وزنياك، المؤسس المشارك لشركة آبل، وعلماء الكمبيوتر البارزين جوشوا بينجيو وستيوارت راسل، والكاتب يوفال هراري، إلى توقف لمدة 6 أشهر عن تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية حتى يتم وضع الضمانات المناسبة.
ويقول غابرييل مازيني إن هذا الأمر «شوّه الحوار السياسي تماماً». وبدلاً من الاكتفاء بتنظيم كيفية استخدام الشركات والقطاع العام لأدوات الذكاء الاصطناعي، شعر المشرعون بضرورة تنظيم كيفية بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها أيضاً - وضمان تغطية التشريعات للنماذج الأكبر.
وكان المشرعون متفقين تماماً على رغبتهم في تنظيم «شات جي بي تي» على الأقل. وكانوا يقولون: «ماذا نفعل إذا خرجنا من غرفة التفاوض هذه دون حتى تنظيم «شات جي بي تي»؟ في الأساس، سنكون غير فعالين تماماً».
وأشار مازيني أيضاً إلى ضجة تنظيمية في بروكسل أضرت بالنتيجة الجيدة للمفاوضات ودفعت إلى مزيد من الإلحاح لإغلاق الملف. فقد كانت الانتخابات البرلمانية الأوروبية في يونيو 2024 تقترب بسرعة، ولم يرغب المفاوضون في تفويت الفرصة سياسياً.
ويقول مازيني إن هذا الموعد النهائي السياسي، والتدخل الخارجي، والنقاش حول التهديدات الوجودية للذكاء الاصطناعي «خلقت مزيجاً بدا فيه أن المنطق السليم قد ضاع».
ويرى باتريك فان إيكي، الرئيس المشارك لقسم الممارسات العالمية للأمن السيبراني والبيانات والخصوصية في شركة «كولي» للمحاماة، أن المفوضية ارتكبت «خطأ جوهرياً» في بداية العملية التنظيمية بمعاملة الذكاء الاصطناعي كمنتج بدلاً من كونه عملية متطورة.
وبموجب اللوائح التي تحكم المنتجات الثابتة، مثل المصاعد، يتعين على الشركات استيفاء متطلبات السلامة لطرحها في السوق. لكن بينما سيظل المصعد يؤدي نفس الوظيفة تماماً بعد 20 عاماً، كما يقول فان إيكي، فإن الذكاء الاصطناعي عملية ديناميكية في تطور مستمر. ويضيف: «هذا يجعل تطبيق المتطلبات المبرمجة مسبقاً أمراً مستحيلاً».
وهكذا، عندما دخل قانون الذكاء الاصطناعي حيز التنفيذ رسمياً في أغسطس 2024، اعتبره الكثيرون غير مكتمل. وتطلب القانون مجموعة واسعة من التشريعات الإضافية لوضع قواعد ممارسة وإرشادات ومعايير لتمكين الشركات من معرفة كيفية تطبيقه، ولم يدخل العديد من الأحكام حيز التنفيذ إلا تدريجياً، مع تأخيرات وعدم يقين أحياناً بشأن الجداول الزمنية الدقيقة.