جيليان تيت
واجه المستثمرون حول العالم حالياً مفاجأتين غير متوقعتين مرتبطتين بالانتخابات الأمريكية. الأولى، هي حجم الفوز الساحق الذي حققه دونالد ترامب.
فعلى الرغم من توقع الكثيرين، ومن بينهم أنا، فوزه في الانتخابات، لكن قلة قليلة توقعت هذا الانتصار الكاسح، وهذا التوجه المتشدد الذي انعكس في اختياراته الأولية لفريق إدارته.
المفاجأة الثانية هي ردة فعل الأسواق، إذ لم تسجل أسواق الأسهم الأمريكية مستويات مرتفعة قياسية فحسب، بل أيضاً حققت الأصول عالية المخاطر مكاسب كبيرة، فقفزت «بيتكوين» إلى أعلى مستوياتها القياسية، متجاوزة 90 ألف دولار أمريكي.
فهل سيستمر هذا الوضع؟ يرى سونغ وون سون، المحلل المستقل، أنه «عندما ترتفع سوق الأسهم فور انتهاء الانتخابات، فإنها تميل إلى أن تشهد أداءً حيادياً على مدى العام التالي، أي لا تشهد ارتفاعاً أو انخفاضاً كبيراً، لكن ثمة أسباب قوية للشعور بالتفاؤل».
وقد يكون سون محقاً في تفاؤله، لكني أعتقد في وجود عدد من النقاط التي يتعين على المستثمرين وضعها بعين الاعتبار إذا كانوا يريدون مواصلة «تداولات ترامب».
-الاستثنائية الأمريكية: حتى قبل الانتخابات بوقت طويل، كانت أسواق الأسهم الأمريكية مرتفعة القيمة وفقاً للمعايير العالمية، مع توقعات بنمو مستقبلي وأرباح عالية. وقد أصبحت الأسواق الآن أكثر تكلفة.
وسيكون هذا الارتفاع مبرراً إذا ارتفع النمو بسبب التخفيضات الضريبية التي تعهد بها ترامب، إلى جانب تخفيف القيود التنظيمية، وسياسات توطين الصناعات.
وفي هذا السياق، لا يجب الاستهانة بتأثير الانتعاش الاقتصادي المتوقع. فقد قفزت ثقة المستهلكين بالفعل في أوساط الجمهوريين، ويبدو الجمهور الأمريكي مستعداً لتحمل المخاطرة، على عكس المستهلكين الأوروبيين.
ومع ذلك، يعني هذا أيضاً أن الأسهم الأمريكية يمكن أن تكون عرضة للانخفاض إذا اصطدم الاقتصاد الأمريكي بالركود، أو واجه صدمات جيوسياسية، أو شهد تغيّراً في سياسات ترامب.
-القطاعات مهمة: انتخاب ترامب رئيساً يدعم أسهم شركات الوقود الأحفوري نظراً لدعمه القوي لهذه الصناعة، وكذلك المسؤولين التنفيذيين في وادي السيليكون الذين أيدوا حملته الانتخابية.
وهناك أيضاً صناعة الصلب التي ستستفيد من الحمائية التجارية، وأسهم المصارف بفضل إلغاء القيود التنظيمية. في المقابل، من المتوقع أن يتأثر قطاع الطاقة المتجددة سلباً، نظراً للتهديدات التي تواجه دعم المشروعات الخضراء.
وكذلك قطاع الأدوية، نظراً لموقفه المعارض للعلوم، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، بالإضافة إلى القطاعات المعتمدة على سلاسل الإمداد العالمية المتكاملة.
-احذروا بلاط ترامب: لطالما كان أسلوب إدارة الرئيس المُنتخب «غير تقليدي»، وذلك إذا أردنا الحديث عن أسلوبه بصيغة مهذبة. ومن المعروف عن الرئيس المُنتخب أن يميل على فرض سيطرته عن طريق زعزعة استقرار حلفائه وأعدائه على حد سواء.
وتعتمد هياكل السلطة عنده على الوصول الشخصي. ولا عجب لذلك في أن ماكس باوكوس، العضو السابق في مجلس الشيوخ الأمريكي، أخبر قادة الشركات منذ أيام عن حاجتهم إلى الوصول لإدارته «بمساعدة جماعات الضغط أو غيرهم»، لكي تزدهر شؤونهم. لذلك، بإمكانك توقع ارتفاع الأصول المرتبطة بالمُقرّبين منه، مثل إيلون ماسك.
-إعادة التوطين والتجارة مع الدول الصديقة غير ودودة: يعلم غالبية المستثمرين بالفعل التكلفة المحتملة شديدة الارتفاع للنزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين. كذلك هناك رغبة قوية لدى مستشاري ترامب في وضع حد لالتفاف الشركات على التعريفات بنقل العمليات إلى دول «صديقة».
وفي هذا السياق، أخبرت نيكي هالي، قادة الشركات، مؤخراً، بأنهم إن كانوا يمارسون الأعمال في المكسيك أو كندا، فعليهم «البدء بالتفكير في الخطط البديلة»، بالنظر إلى وجوب إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية «نافتا» بحلول عام 2026. كما يقول حلفاء ترامب بأن التجارة مع ألمانيا وفرنسا ستكون مُعرضة للخطر هي أيضاً.
-ضرورة الانتباه للديون البالغة 35 تريليون دولار: يبدو هذا واضحاً بجلاء. لكن لا يمكن التأكيد بما يكفي على المخاطر المرتبطة بسندات الخزانة الأمريكية، بما أن حراس سوق السندات قد يكونون أكبر رقيب على سلطة ترامب في العام المقبل، وربما يكونون الوحيدين.
وثمة رقم بالتحديد ينبغي وضعه في الاعتبار، وهو 9 تريليونات دولار، ويُقصد به قدر سندات الخزانة الواجب إعادة تمويلها على مدى العام المقبل. وتبدو الأسواق هادئة نسبياً في الوقت الراهن.
لكن الأمور قد لا تظل على هذا المنوال، إذا مضى فريق ترامب حقاً في تنفيذ ما كان يتعهد به في حملته الرئاسية، مثل إضعاف الدولار، أو فرض تعريفات جمركية تضخمية، أو إقرار تخفيضات ضريبية هائلة، أو تقليص استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وقد علمنا منذ أيام أن العجز الشهري الأمريكي قفز إلى 257 مليار دولار في أكتوبر، وهو أعلى مستوياته منذ الجائحة، فيما يعاود التضخم الارتفاع من جديد.
ويدرك بعض مستشاري ترامب، مثل سكوت بيسينت وكيفين هاسيت، المخاطر جيداً ويرغبون في الحد منها. لننتظر إذن رؤية ما يقدرون على فعله.
-على المستثمرين توقع تأثر الأسواق الناشئة: سجّل الدولار أعلى مستوياته منذ ستة أشهر، بغض النظر عن تعهدات الحملة الانتخابية بإضعاف العملة. وإذا استمر ذلك، فستكون معركة التعريفات الجمركية أكثر حدة، وسيواجه عدد أكبر من الأسواق الناشئة أزمات ديون.
-التحوّط، فالتحوّط، ثم التحوّط: من المهم إدراك عدم تغير أساسيات «بيتكوين». وحسب ما أشار كوراي كاليسكان، عالم الاجتماع الاقتصادي، فإن العملة تظل ظاهرة غريبة ولا توجد لها إلا استخدامات عملية محدودة. لكن بما أن ترامب مناصر لـ«بيتكوين»، فقد باتت العملة تمثل تحوّطاً جيداً في المحفظة الاستثمارية.
وينطبق الأمر ذاته على الذهب، بالنظر إلى التهديد الذي يشكّله التضخم، والأهم من ذلك، أن الدول المعادية للغرب تعمل على تنويع احتياطاتها بواسطة الذهب وسط المساعي للابتعاد عن العملة الخضراء.
ويُعد شراء الأصول «الحقيقية»، مثل الأخشاب، منطقياً، بالنظر إلى المخاطر الجيوسياسية، لكن الأمر الذي يمكن أن يكون الأكثر إثارة للدهشة هو عدم تسبب ترامب في أي مفاجآت.
عموماً، فإن النقطة الأساسية التي يجب مراعاتها هي أنه لا يمكن لأحد الاستفادة من «تداولات ترامب» عن طريق استخدام النماذج المالية التقليدية لتقييم الأصول فحسب.
وسيحتاج المستثمرون الأذكياء إلى مراعاة علم النفس، وعلم الإنسان، والتاريخ أيضاً، بما في ذلك حقبة ريغان في ثمانينيات القرن الماضي، والحمائية التجارية التي سادت الثلاثينيات، وعصر رجال الأعمال عديمي الضمير في القرن التاسع عشر، أو حتى عهد حكم أسرة تيودور.
وكل هذه الفترات كانت مليئة بالاضطرابات والتحديات. ومع ذلك، استطاع الأشخاص الأذكياء ومعهم الانتهازيون من جمع ثروات طائلة في هذه الفترات، وقد تتكرر هذه الفرص في عصر ترامب.
