«تحالفات الراغبين» الطريق العملي لأوروبا نحو اتحاد أوثق

مارتن ساندبو

إذا كان شعار الولايات المتحدة - «من الكثرة واحد» – يبدو طموحاً للغاية على خلفية الانقسام الأمريكي الكبير في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، فإنه يُنظر إلى شعار الاتحاد الأوروبي على أنه تناقض لفظي.

حيث يرى البعض أن شعار «متحدون في التنوع» يخالف الاعتقاد بأن التنوع يمكن أن يكون هو العائق دون التوصل إلى حلول مشتركة.

وبينما يقول البعض إن التقسيم كان مفتاحاً لنجاحات أوروبا السابقة، يرى آخرون الآن أنه عقبة كبيرة أمام المزيد من التقدم، لكن ماذا لو كان التنوع هو الطريق إلى الوحدة، وليس عائقاً يجب تجاوزه؟

وهذه الأيام نسمع الكثير عن «تحالفات الراغبين»، لا سيما فيما يتعلق بمحاولات حشد الدعم العسكري لحماية أمن أوكرانيا، لكن تحالفات الراغبين الأكثر أهمية قد تكون تلك التي تنشأ حول مسائل أكثر بساطة.

وهناك جدل قديم متجدد في أوروبا حول ما إذا كان من الأفضل للطليعة أن تمضي قدماً في تكامل أعمق، أم يتم توجيه وقت أكبر لإيجاد حلول تتفق عليها جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وفي بعض القضايا الأصعب التي تنطوي على تغييرات رئيسية في المعاهدات، من الأفضل اتباع النهج الأول.

وكانت هذه هي الحال مع اليورو ومنطقة شنغن للسفر بلا حدود، لكن غالباً ما ينظر القادة الأوروبيون بارتياب إلى التكامل مع مشاركة أقل من كاملة.

وعلى سبيل المثال، لم يُستخدم «التعاون المعزز»، وهو بند يسمح بتكامل انتقائي لتسع دول فقط، إلا مرات قليلة؛ والمشكلة أن أولئك الذين لا يكفون عن الشكوى، مثل فرنسا، من أن الطموحات التكاملية تعيقها دائماً الدول المتقاعسة، فإنهم رفضوا عملياً استخدام آلية متاحة بسهولة لتطبيق ما يدعون إليه، كما أن المفوضية الأوروبية لم تجعل «التعاون المعزز» ركيزة أساسية من أدواتها عندما كان يصعب عليها الوصول إلى الإجماع.

وفي الواقع يتمثل أسلوب عمل المفوضية في السعي الدائم للوصول إلى أغلبية أوسع مما تحتاجه فعلياً لتمرير التشريعات المثيرة للجدل. واتفاقية التجارة مع كتلة «ميركوسور» مثال جيد في هذا السياق.

ومع ذلك فإن الأمور تتغير؛ ففي خطاب ألقاه الشهر الماضي دعا رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق، ماريو دراغي، إلى «فيدرالية براغماتية مبنية على تحالفات الراغبين حول مصالح استراتيجية مشتركة».

ولنتخيل مثلاً «دولاً ذات قطاعات تقنية قوية تتفق على نظام مشترك يُمكّن شركاتها من التوسع بسرعة»، و«دولاً ذات صناعات دفاعية متقدمة تجمع البحث والتطوير وتموّل المشتريات المشتركة»، و«قادة صناعيين يستثمرون بشكل مشترك في قطاعات حيوية مثل أشباه الموصلات، أو في البنية التحتية للشبكات التي تخفض تكاليف الطاقة».

إن تحالفات الراغبين، فعلاً وليس اسماً، آخذة في الظهور بقوة؛ وقد نُفذت بالفعل بعض توسعات الاتحاد الأوروبي في مجالات سياسية جديدة - أبرزها «التعاون الهيكلي الدائم» في مجال الدفاع - دون مشاركة كاملة.

وقد اعتمدت 19 دولة من أصل 27 البرنامج الآمن للقروض المشتركة للاتحاد الأوروبي للإنفاق الدفاعي المشترك؛ وحجة دراغي وهذه الأمثلة تجعل تحالفات الراغبين تبدو كأنها مجرد ملاذ أخير.

وبديل أقل شأناً عن الوحدة، لكن يمكن أن يكون هناك منطق سياسي أكثر إيجابية، حيث يُعزز التباعد في التوجهات التكاملية الجديدة الوحدة في النهاية.

وهذا هو المأمول من مبادرة «مختبر التنافسية» الإسبانية، التي تشجع مجموعات الدول الراغبة على المضي قدماً في بنود أجندة أسواق رأس المال الموحدة.

وقد جمعت مدريد وزراء المالية المهتمين للعمل على تحقيق أهداف سهلة نسبياً - وضع علامات مشتركة لمنتجات التمويل العابر للحدود، ومنصة توريق مشتركة، وقواعد مشتركة للتصنيف الائتماني للشركات الصغيرة.

والفكرة هي أن الدول المستعدة والراغبة في اتخاذ الخطوة التكاملية التالية يمكنها تحقيق نجاحات على أرض الواقع لا يرغب الآخرون في تفويتها، ولنسمِّها نظرية سياسة الخوف من تفويت الفرصة.

وفي اجتماع عُقد مؤخراً لوزراء المالية الأوروبيين، قال أحد الحاضرين إن كريستين لاغارد، خليفة دراغي في البنك المركزي الأوروبي، سألت: «هل سيكون لدينا الآن مجلسان اقتصاديان للاقتصاد والمالية؟» - قلقاً من تقويض المجلس الوزاري الرسمي المعني بالاقتصاد والمالية.

وهناك إجابتان على هذا السؤال؛ من الناحية المثالية يُسرّع التهديد بوجود «مجلسين اقتصاديين للاقتصاد والمالية» من التوصل إلى اتفاق في المجموعة بأكملها.

وإذا ظلّ ذلك صعباً – أي طالما كان التقدم في اتحاد أسواق رأس المال بطيئاً لعقد من الزمن، فلماذا لا يُعقد اجتماع ثانٍ للبنك المركزي الأوروبي على نحو أسرع؟

ربما يكمن وراء هذا التشكك عجز مكتسب من الحقبة التي كان يُنظر فيها إلى الاتفاق الفرنسي الألماني على أنه محرك التكامل الأوروبي، بالإضافة إلى شعور هذين البلدين القوي باستحقاقهما هذا الوضع، لكنهما اليوم يُكافحان للاتفاق مع نفسيهما أولاً قبل الحديث عن الاتفاق مع بعضهما البعض.

يُشير ظهور تحالفات راغبين صغيرة نسبياً إلى أن الوقت قد حان للدول الأصغر لأن تتجرأ على اتخاذ خطواتها الخاصة إلى الأمام في القضايا التي ترى فيها حلولاً جماعية. وإذا مضت قدماً، فقد تكتشف أن الوحدة ربما تكون مثل الحب أو النوم، تأتي عندما تُركز على أمور أخرى.