وقد أدى إدراك إمكانية إيقاف الحافلات الكهربائية التي تصنعها شركة يوتونغ الصينية، من خلال الوصول عن بُعد إلى برمجيات المركبة، إلى مسارعة دول أوروبية أخرى لتقييم مدى ضعفها أمام التدخل التكنولوجي الصيني.
كما أن الاتحاد الأوروبي يتعرض لمضايقات من القوة الجيواقتصادية العظمى الأخرى، وهو مضطر لتخفيف حدة قانون تنظيم الذكاء الاصطناعي الخاص به، تحت ضغط كبير من صناعة التكنولوجيا الأمريكية.
في وقت سابق من هذا العام، أُجبرت أوروبا على الانضمام إلى «صفقة تيرنبيري» التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورضيت بتخفيضات جمركية غير متبادلة، لتوافق بذلك على ما يبدو أنه إضعاف دورها كجهةٍ عالميةٍ تُحدد قواعدها من خلال قبولها بالاعتراف بالمعايير الأمريكية.
ويوفر الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعض الحماية على الأقل. فالدول الأصغر، مثل آيسلندا وسويسرا، والتي تضررت بشدةٍ من رسوم ترامب الجمركية، تتحالف الآن بشكلٍ أوثق مع الكتلة.
ولكي نكون منصفين، بذلت الدول الأوروبية جهوداً كبيرة بالفعل لدعم أوكرانيا، على الأقل مالياً، وعبر فرض العقوبات، ما بدا مرجحاً عندما اندلعت الحرب بين روسيا وجارتها في عام 2022. وهي الجارة التي تطمح للانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي.
وفي أماكن أخرى، أثبتت آليات الاتحاد الأوروبي التقليدية، القائمة على الطلب لنشر النفوذ، وإغراء الوصول إلى سوقها الاستهلاكية الضخمة، التي تسمح لها بوضع معايير تنظيمية دولية، أنها غير كافية في عالم غالباً ما يكون فيه توفير التقنيات والمدخلات الأساسية أكثر أهمية.
وقد استحوذت هولندا مؤخراً على شركة نيكسبيريا الهولندية لتصنيع الرقائق المملوكة للصين، بسبب مخاوف أمنية، ولكن يبدو أن ذلك كان بسبب ضغوط من الولايات المتحدة.
وقد ردت الصين بمنع تصدير أشباه موصلات نيكسبيريا. ويبدو أن الأمر لم يُحل من خلال لاهاي أو بروكسل، بل من خلال التقارب الأخير بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ودونالد ترامب.
علاوة على ذلك، بينما كان يُنظر إلى الاتفاقية تقليدياً على أنها صفقة «سيارات مقابل لحوم»، تُركز البرازيل الآن على السيارات الكهربائية أكثر بكثير من السيارات التقليدية، حيث تتفوق الصين بشكل كبير على أوروبا.
وتستحوذ السيارات الكهربائية الصينية على السوق البرازيلية، كما أن الصين تستثمر في التصنيع المحلي، بعد ضغوط من الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.
لكن في مواجهة التغيير النظامي السريع، يواجه صعوبة بالغة في القفز بذكاء من حقبة قديمة إلى حقبة جديدة. كما أنه فاشل في العمل الجماعي:
وعلى سبيل المثال، فإن تركيز ألمانيا المُفرط على صناعة السيارات الوطنية الخاصة بها، يُشير إلى إحجام الدول الأعضاء عن التنازل عن السلطة والمال للاتحاد ككل.
وعلى الأقل، يبذل الاتحاد جهداً أكبر من الولايات المتحدة، التي تُبدد بسرعة مزاياها الجيواقتصادية الهائلة، عبر إدمانها المُستميت على الحمائية المُدمرة، ورفضها الغريب للتكنولوجيا الخضراء، وإنكار تغير المناخ.
لكن مما لا شك فيه، أن الفجوة الكبيرة بين طموح الاتحاد الأوروبي وواقعه المؤسسي، لم تتقلص كثيراً منذ أن أعلنت فون دير لاين عن هدفها المتمثل في الاستقلال الاستراتيجي.
ورغم أن توقيع اتفاقيات تجارية ناضجة، يفوق قدرة الولايات المتحدة على القيام بذلك، فهو لن يقترب من تحويل الاتحاد الأوروبي إلى قوة جيوسياسية بمفرده.
