تؤكد نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة أنه لا يوجد الآن ما يعبر عن قلق الرأي العام الأمريكي أكثر من «القدرة على تحمل التكاليف» المعيشية. وكما هي الحال في دول أخرى، تتفاقم هذه المخاوف بفعل التغطية الإعلامية اليومية لخصم واضح هو ببساطة: الأسعار.
إنها ديناميكية يجب على مختلف المشاركين في السوق الانتباه إليها مع تسارع تحديات القدرة على تحمل ارتفاع التكاليف، لا سيما كذلك مع القلق المتزايد من جانب الموظفين بشأن التغييرات في أماكن العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وستستلزم الضغوط السياسية استجابات من جانب السياسات والتي ستؤثر بدورها على الأسواق.
إن التركيز على الأسعار أمر مفهوم، فقد شكل ارتفاع التضخم في فترة 2021 - 2022 صدمة كبيرة جعلت تكلفة المواد الغذائية الأساسية، مثل البقالة والمرافق، مصدراً لتألم المستهلكين.
وبالنسبة للسياسيين، أصبحت مكافحة غلاء المعيشة صرخة بمعركة جذابة لإمكانية توجيه أصابع الاتهام فيها بشكل واسع ومتكرر، سواء أكان ذلك تجاه الإنفاق الحكومي أم سياسة البنك المركزي أم «جشع الشركات». وقد عزز غضب الناخبين الفجوة بين ما سمعوه آنذاك (حول انخفاض التضخم) وما توقعوه (من انخفاض الأسعار مقابل تراجع معدل زيادتها).
ومع ذلك، فإن هذا التركيز على الأسعار كمقياس للقدرة على تحمل التكاليف لا يكفي. فهو يتجاهل عنصراً أساسياً: دخل الناس. والدخل هو الذي يتعرض فعلياً الآن لضغوط أكبر، كاشفاً عن هشاشة الأساس المالي للعديد من الأسر.
وخلال العقود السابقة، كانت «أزمة القدرة على تحمل التكاليف» مشكلة هيكلية بطيئة التطور، يخفيها انخفاض التضخم الإجمالي. ولم تكن المشكلة في ارتفاع أسعار البقالة بشكل صادم، بل في تواصل ارتفاع تكاليف المكونات الأساسية لحياة الطبقة المتوسطة - السكن والتعليم والرعاية الصحية - إلى مستويات مقلقة. وأدى ارتفاع التضخم في فترة 2021 - 2022 إلى تحويل «حالة مزمنة» إلى «حالة أكثر حدة».
وقد جرى تخفيف تأثيره المباشر على القدرة الشرائية، أولاً: من خلال تحويلات الدخل الحكومية، وثانياً: من خلال الزيادة السريعة في الأجور، لا سيما للأسر ذات الدخل المنخفض. لكن هذه الزيادة في الدخل تتلاشى، وهو ما تظهره البيانات بوضوح، والتي لا تشير فقط إلى انخفاض نمو الدخل، بل تظهر أيضاً أن الأسر الأكثر ضعفاً ذات الدخل المنخفض باتت متخلفة عن الركب بشكل كبير.
لا عجب إذن أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ركزت على ضمان خفض تكاليف الطاقة والأدوية والرهون العقارية على وجه الخصوص. ومع ذلك، يتزايد مستوى القلق بشأن الدخل بسبب انعدام الأمن المرتبط بتأثيرات الذكاء الاصطناعي على أماكن العمل وزيادة حالات التسريح، حسبما أشارت شركة «تشالنجر، جراي، وكريسماس» منذ أيام.
ولا تتعلق القدرة على تحمل التكاليف بالمقاييس الحقيقية فحسب؛ بل تتعلق أيضاً بالاستقرار المتصور. وإنه لأمر مقلق للغاية للأسر أن تشعر وكأنها تهرول على جهاز المشي، وتعمل بجد أكبر لمجرد تجنب المخاطرة بالتخلف عن الركب. وهذا «الاضطراب التذبذبي».
حيث تتغلب التجربة المعاشة في ظل انعدام الأمن الاقتصادي على العناوين الإيجابية حول الاقتصاد الكلي، مثّل بالفعل إشكالية خاصة لإدارة بايدن. وتميل الأسر غالباً إلى الحكم على نفسها مقارنة بالآخرين، كما يغذي الاقتصاد غير المتوازن اليوم شعوراً أكبر بـ«الحرمان النسبي».
ومثل هذا الوضع يقوض العقد الاجتماعي الضمني الذي بني على وعد بالترقي الاجتماعي: اعمل بجد، وسيكون أطفالك أفضل حالاً منك، وستتاح لك فرصة تحقيق الحلم الأمريكي.
وعندما ينتقل المجتمع من حالة الطموح الجماعي إلى حالة انعدام الأمن، قد تكون التداعيات السياسية وخيمة. لأن ذلك يغذي شعوراً عميقاً بانعدام الثقة في المؤسسة السياسية والشركات الكبرى.
ومن هذا المنظور، يتضح جلياً أن أزمة القدرة على تحمل التكاليف الحالية لن تحل بمجرد خفض التضخم من 3 % الحالي إلى هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 %. لأن المطلوب هو نهج يعالج أيضاً جانب الدخل في حساب مستوى المعيشة بطريقة مستدامة وشاملة، والأهم، استشرافية.
إن الأمر يتعلق بتركيز سياسي أكثر شمولاً على محركات النمو التقليدية، مثل البنية التحتية وتحرير الاقتصاد. لكن يجب على صانعي السياسات أيضاً ضمان ألا تطغى جوانب إحلال العمالة على انتشار ما يبشر به الذكاء الاصطناعي من تعزيز للعمالة. إنها مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الحكومات والشركات والأسر، لكنها مسؤولية لم تحظ بالاهتمام اللازم بعد.
إلى أن يتحقق ذلك، ستصبح القدرة على تحمل التكاليف قضية أكثر أهمية. وعدم معالجتها سيعرض البلاد لخطر عدم الاستقرار الاقتصادي، والانقسام الاجتماعي، والاستقطاب السياسي، مع تقييد لقدرة الذكاء الاصطناعي على رفع الإنتاجية والنمو.
الكاتب أستاذ في كلية وارتون وكبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز ورئيس مجلس إدارة صندوق جراميرسي