كيف يمكن التحرر من قبضة الصين على المعادن الحيوية؟

كانت جرينلاند تدرك تماماً ما تفعله عندما وجهت تحذيراً إلى الولايات المتحدة وأوروبا: إما أن تقدّما الدعم اللازم لاستغلال الثروات المعدنية الكبيرة في جرينلاند، وإلا فإنها ستتجه حتماً نحو الصين. وقد كشفت التوترات الجيوسياسية والتجارية المسيطرة عالمياً عن حجم الهيمنة الصينية على العناصر المعدنية النادرة، في وقت لم تعد فيه قوى السوق وحدها كفيلة بقلب هذا الواقع.

وتستحوذ الصين على الحصة الأكبر من عمليات تعدين وتكرير المعادن الاستراتيجية مثل النحاس والليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة، وهي مواد أساسية لشبكات الطاقة والبطاريات، فضلاً عن صناعات الهواتف المحمولة والصواريخ. وتستفيد بكين من سياسات داعمة، وقدرات إنتاج واسعة النطاق، وكفاءة تشغيلية عالية، مكنتها من السيطرة على نحو 70% من عمليات تكرير 20 معدناً استراتيجياً رصدتها وكالة الطاقة الدولية.

وتُعدّ عمليات التعدين خارج الصين باهظة التكلفة، إذ تقدر وكالة الطاقة الدولية أن التكاليف الرأسمالية للمشاريع في البلدان التي لا تمتلك الخبرات أو الريادة العالمية في هذا المجال تزيد عادة بنسبة 50%، فعلى سبيل المثال، تبلغ تكلفة تكرير الليثيوم 60 دولاراً للكيلوغرام في البلدان الثلاثة الرائدة مقابل 103 دولارات في بقية دول العالم، كما يواجه المستثمرون تحديات إضافية تتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة والرسوم والقيود التنظيمية، فضلاً عن تقلبات الأسعار الحادة التي تتسم بها أسواق هذه المعادن.

وتبرز أربعة حلول محتملة لمواجهة هذا الواقع، يتمثل أولها في تدخل الحكومات بشكل مباشر عبر تقديم الدعم المالي اللازم في هذا المجال. لذلك، خصصت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عشرات المليارات من الدولارات لصناعة الرقائق على سبيل المثال، كما قدمت أستراليا قروضاً لتطوير مصفاة للعناصر النادرة من قبل شركة «إيلوكا ريسورسز»، واستكملت التمويل الأولي عندما تجاوزت تكاليف البناء الميزانية المقررة.

وبالنسبة إلى الجهات المترددة في ضخ الدعم المالي المباشر، فيمكنها اللجوء إلى آليات بديلة، حيث يمكن لعقود الفروقات (التي توفر سعراً مضموناً لفترة زمنية محددة) أن تساعد في جذب المستثمرين، وقد تم تبنيها بالفعل من قبل المملكة المتحدة ودول أخرى لدعم إنتاج الكهرباء منخفضة الكربون.

ويتمثل الحل الثاني في ابتكار طرق جديدة وأقل تكلفة لاستخراج المعادن، فالاستخراج المباشر لليثيوم من المحاليل الحرارية الجوفية - باستخدام أغشية لتصفية العنصر المطلوب على سبيل المثال - يمكن أن يكون أكثر فعالية من حيث التكلفة مقارنة بالطرق التقليدية، كما أن إعادة التدوير تعزز الإمدادات عندما يتسنى التغلب على تحديات ندرة المواد الخام أو انبعاث الغازات السامة.

ويبرز الذكاء الاصطناعي كحل ثالث محتمل، إذ تقدر وكالة الطاقة الدولية أن توظيف الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستكشاف الجيولوجي قد يخفض تكاليف الحفر بنسبة تصل إلى 60 بالمئة. وفي بعض السيناريوهات، قد يرفع معدلات نجاح الاكتشافات إلى أربعة أضعاف.

ويتمثل الحل الرابع والأخير في إيجاد بدائل للمعادن النادرة، حيث ما زالت البطاريات الغنية بالكوبالت تتنافس مع بطاريات فوسفات حديد الليثيوم التي تتصدر في السوق الصينية حالياً، غير أن النسخ الغنية بالمنغنيز، مثل تلك التي تطورها شركة الكيماويات الأوروبية «يوميكور»، بدأت تكتسب زخماً متزايداً في الأسواق العالمية.

وقد يعترض أنصار مبادئ السوق الحرة على أن الاعتماد المفرط على التخطيط والدعم الحكومي يشبه بشكل كبير الاستراتيجية الصينية. وفي عالم مثالي، لن تكون مثل هذه التدخلات ضرورية، لكن في الواقع العملي، فإن أمن سلاسل الإمداد يفرض تكاليف لا مفر منها، والتحدي الحقيقي يكمن في تقليص هذه التكاليف إلى أدنى حد ممكن دون المساومة على الاستقلالية الاستراتيجية.