لماذا بدأ الاستقطاب على الطريقة الأمريكية ينتشر خارجها؟

جون بيرن - موردوك

لعل من أكثر الألغاز إثارة للاهتمام في العلوم السياسية الحديثة محاولة تفسير سبب تسارع الاستقطاب بالمجتمع الأمريكي ليتحول إلى بؤرة للعداء القبلي على مدى العقود الأربعة الماضية، في حين لم تشهد أي دولة غربية أخرى انقساماً مماثلاً خلال تلك الفترة.

وتحتاج النسخة المحدثة من هذا اللغز إلى تفسير مفاجأة أخرى إضافية: لماذا يبدو أن الانقسامات والحروب الثقافية على الطريقة الأمريكية تتزايد الآن في أماكن أخرى من الغرب بعد ثلاثة عقود من غياب ذلك؟

وتحاول سلسلة من الدراسات الجديدة تقديم إجابات محتملة، كما تساعد في تفسير العديد من الاتجاهات الاجتماعية والسياسية الأخرى التي اجتاحت معظم أنحاء العالم في السنوات الأخيرة.

ففي ورقتهما البحثية الرائدة، التي نشرت مؤخراً، استخدم خبيرا الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد، شاكيد نوي، وأكاش راو، بيانات مشاهدة التلفزيون لحظة بلحظة، لإظهار كيف أسهمت الحوافز التجارية لقنوات الأخبار التلفزيونية في بث الخلاف، ليس فقط بين مشاهديها، بل في أنحاء أمريكا على نطاق أوسع.

وتتمثل رؤيتهما الرئيسية في أن المحتوى المتعلق بالجريمة والهجرة والعرق والجنس وانتقاد النخب يزيد بشكل موثوق من نسب المشاهدة (فيما يدفع الاقتصاد والرعاية الصحية الناس إلى الابتعاد).

وهذا يعني أن هناك تحولاً ناتجاً في التغطية الإعلامية نحو المزيد من قضايا الحرب الثقافية مع قصص اجتماعية واقتصادية أقل، ما يدفع الناخبين إلى تصنيف هذه القضايا على أنها أكثر أهمية، ثم يستجيب السياسيون من خلال زيادة حملاتهم الانتخابية حول الموضوعات الثقافية الساخنة، وإجمالاً، يقدر الباحثون أن ظهور ونمو الأخبار عبر الكابل يمكن أن يفسر ثلث الزيادة في الصراع الثقافي في الولايات المتحدة منذ عام 2000.

وتتوافق دراسة نوي وراو بشكل جيد مع دراسة أخرى نشرت في وقت سابق من هذا العام أجراها باحثون في جامعة نورث وسترن وجامعة شيكاغو، والتي تحدد أوجه تشابه ملحوظة في الديناميكيات التي تشكل منصات التواصل الاجتماعي.

فقد قام الباحثون بمحاكاة تطبيق تواصل اجتماعي، وتزويده بمئات المنشورات، ثم راقبوا كيف تغيرت أنواع المحتوى الذي يظهر في خلاصات الأشخاص اعتماداً على ما إذا كان التطبيق يعرض لهم ببساطة مزيجاً تمثيلياً لجميع المنشورات، أو يوصي بالمنشورات الأكثر إعجاباً أو مشاركة من قبل الآخرين، أو يحاكي خوارزمية على غرار «تيك توك» تظهر المنشورات بناءً على المدة التي يقضيها الآخرون في النظر إليها.

كانت النتائج مذهلة، فمقارنة مع الواقع المضاد المتمثل في مجرد عرض مزيج متساوٍ من جميع المحتويات على الأشخاص، فإن خوارزمية التوصية القائمة على الإعجابات والمشاركات (وهي في الأساس كيفية عمل وسائل التواصل الاجتماعي خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين) عززت باستمرار المنشورات التي أشادت بالمجموعة الداخلية للمشاهد وألقت باللوم على مجموعته الخارجية، بالإضافة إلى دفع المزيد من الرسائل السياسية.

وحققت خوارزمية على غرار «تيك توك»، والتي استبدلت الإعجابات والمشاركات النشطة بمقاييس أكثر دقة للمشاركة السلبية واللاواعية، نتائج مماثلة في تعزيز المحتوى السياسي المثير للانقسام بشكل كبير، لكنها أظهرت أيضاً محتوى سلبياً يهاجم الجماعات الخارجية أكثر بكثير من المحتوى الإيجابي الذي يمتدح أعضاء الجماعة.

في رأيي، هذا تجسيد مثالي لكيفية تطور نبرة ومحتوى المشهد الإعلامي والسياسي الحديث على مدى العقد الماضي، وبالنظر إلى النتائج مجتمعة، فإنها تساعد في تفسير ليس فقط توقيت تزايد الانقسام الاجتماعي والسخط الدائم على جانبي المحيط الأطلسي، بل أيضاً العديد من الاتجاهات الاجتماعية الحديثة الأخرى.

يرتبط استهلاك الشباب المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي ارتباطاً وثيقاً بظهور انقسام في المواقف السياسية وأولويات القضايا لدى الشباب والشابات (ولكن ليس لدى كبار السن).

كما يفسر ذلك فرقين دقيقين لم يناقشا بشكل كافٍ في الفجوة بين الجنسين لدى الشباب. أولاً، أن معظم التباين يأتي من الشابات (أكثر مستخدمي وسائل التواصل في المجتمع)، وثانياً، أنه مدفوع جزئياً بانخفاض عدد الشباب الذين يجيبون بـ «لا أعرف» على أسئلة حول الأيديولوجية السياسية - وهو ما يتماشى مع انفجار المحتوى السياسي والثقافي في حياتهم.

ولدينا أيضا ذلك التوتر المتزايد الذي يواجه سياسيي يسار الوسط الذين يفضلون (بل ويحققون نجاحاً أكبر في) التركيز على القضايا الاقتصادية في حملاتهم الانتخابية، لكنهم ينجذبون باستمرار، بفعل مقاييس تعظيم الجمهور، نحو مواضيع الحرب الثقافية (حيث يكون اليمين عادةً أقرب إلى الناخب المتوسط). ناهيك عن المد المتصاعد للسياسات المناهضة للنخب.

وللتوضيح، فإنه في كل الأحوال لا يمكن للمشهد الإعلامي تفسير كل شيء، ومع ذلك، من غير المرجح أن تكون التصدعات الزلزالية المتوازية في بيئة المعلومات والتماسك الاجتماعي والسياسي مجرد مصادفة.