كاتي مارتن
توقفت وتيرة الانتعاش القوي، الذي شهدته الأسهم الأمريكية في أعقاب الفوضى، التي أثارتها التعريفات الجمركية في أبريل الماضي. ويبدو أن مشروع قانون الموازنة، الذي يصفه دونالد ترامب بأنه «كبير وجميل» بات الحدث الحاسم، الذي قد يؤدي إلى نجاح هذا المسار أو فشله.
ويظهر المستثمرون الأفراد اهتماماً لافتاً بمجريات السوق، فقد كانوا من أوائل من سارع إلى الشراء عند انخفاض الأسعار فور الصدمة، التي أحدثها ما يعرف بـ«يوم التحرير»، الذي شهد إعلان التعريفات الجمركية، ومنذ ذلك الحين لم ينظروا إلى الوراء، وقد كانت مكافأتهم سخية، إذ ارتفع المؤشر الرئيسي للأسهم الأمريكية، «إس آند بي 500»، بنسبة 22% من أدنى مستوى بلغه في أبريل.
وما زال المؤشر يسجل مستويات في المنطقة الخضراء هذا العام، لكنه يتخلف كثيراً عن بقية المؤشرات العالمية، وقد نفد زخمه على مدى الأسبوعين الماضيين. ومع ذلك لا بد من الإشادة بالمستثمرين من الآباء والأمهات، والآخرين من المنضمين إلى أوائل المشترين عند انخفاض الأسعار، فقد كانت هذه صفقة مثيرة للإعجاب، وإن دققت النظر أو تبنيت نظرة متفائلة فبإمكانك بناء حجة لائقة حول الأسباب الداعمة لعودة هذا التعافي.
ويسلك الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مساراً متعرجاً وكثيراً ما يكون مثيراً للقلق بمواقفه الاقتصادية والجيوسياسية، خاصة فيما يتعلق بالتجارة، لكن يبدو الأمر وكأنه تفادٍ للوقوع في كارثة، فقد قرر الوقف المؤقت لأكثر تعريفاته الجمركية العالمية قسوة، والتي اصطدمت بعراقيل قانونية منذ إعلانها، كما أنه أعلن التوصل إلى اتفاق مع الصين. ليس ذلك فحسب، بل تراجع أيضاً عن السعي إلى إقالة جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وكذلك عن فرضه تعريفات جمركية بنسبة 50% ضد الاتحاد الأوروبي، ويبدو وكأنه نسي أفكاراً غريبة أخرى مثل فرضه ضرائب على الأفلام الأجنبية.
وبشرائك للأسهم لدى انخفاض أسعارها فإن الناس دائماً ما تفعل ذلك، ولأنك لست على يقين من السبب وراء فعلك ذلك سوى أن الأمر دائماً ما نجح فيما سبق، أو لأنك انتقيت وبكل حكمة اللحظة التي اقترب فيها ترامب من الهاوية ثم تراجع عنها، ففي عالم الأسواق من الأفضل أن تكون ماهراً عن أن تكون محظوظاً، لكن النزر اليسير من أي منهما أو كليهما يمكن أن يحقق لك الكثير.
وعلى سبيل المثال يعتقد «مورغان ستانلي» أن هذا الاتجاه يمكنه أن يستمر، غير أن الطريق ستكون بها بعض المطبات. ويتوقع المصرف تسجيل المؤشر 6500 نقطة في منتصف العام المقبل، بارتفاع قدره 10% مقارنة بالمستويات التي يسجلها اليوم، لذلك، يوصي العملاء بمواصلة الاستثمار في الولايات المتحدة على حساب بقية المؤشرات العالمية.
وعموماً، فقد حدث الكثير من الأمور الأغرب، لكن من عساه يقول بعدم صحة ذلك؟ كذلك فإن استفساراتي المستفيضة لم تجد بعد عدداً كبيراً من خبراء السوق الآخرين، الذين يشاركونني هذا الحماس. ولا تلومونني، فقد سبقني الكثير بالفعل إلى ذلك، لكن يبقى أن كثيرين ما زالوا لا يرون كيف يمكن لكل هذا أن يأتي بنتائج جيدة.
ويكمن السبب الأساسي وراء الشكوك في أن تفادي الوقوع في كارثة لا يعني أن الأمور صارت على ما يرام، ونتيجة لذلك فإن حجم التعافي الذي نشاهده في الأسواق الأمريكية حتى الآن لا يبدو منطقياً بالنسبة للكثيرين، ولا أعني الأسهم هنا فقط، بل فئات أصول خطرة أخرى أيضاً.
ويعد فيكتور هيورت، الخبير الاستراتيجي لدى «بي إن بي باريبا»، من بين هؤلاء الذين يحذرون من أن الانتعاش كان «مرحلة شديدة الضغط فنياً»، وأنها كانت نابعة، في أبريل، ما اعتبرت واحدة من أكثر موجات اضطراب السوق شدة في العِقد الماضي. وقال: «كانت هذه سوق سلبية مثلما كانت الحال في منتصف عام 2022 أو أوائل 2023، وذلك في خضم ذعر ناجم عن رفع أسعار الفائدة حينما اعتقد الجميع أن الولايات المتحدة سترفع الفائدة حتى الركود»، ويعني هذا أن قفزة السوق لك تتطلب سوى القليل من الأنباء السارة، أو على الأقل ورود أنباء ليست بالسلبية.
أما الآن فيرى فيكتور هيورت أن التوقعات بشأن أسواق سندات الشركات الأمريكية سلبية على نحو لا غموض فيه، مع مواجهة الكثير من الشركات الحاجة لاقتراض المزيد من المستثمرين في وقت تبدو فيه تكاليف الاقتراض وكأنها ستظل مرتفعة، فيما تجابه الشركات فوضى الضرائب على الواردات التي تقيّد قدرتها على التخطيط.
والأخبار الإيجابية للمتفائلين إزاء الأسهم الأمريكية هي أن كبرى شركات التكنولوجيا، وهي درة تاج السوق، ما زالت تحقق إيرادات مذهلة، وهو ما برهن عليه تقرير أرباح «إنفيديا» شديد الإيجابية الصادر في الأسبوع الماضي، لكن يبرز في الأفق ما يسميه ترامب مشروع قانون موازنته «الكبير والجميل»، الذي يشق طريقه في ثنايا العملية التشريعية في الوقت الراهن. ويحتوي مشروع القانون على مسألتين مقلقتين للغاية للمستثمرين.
الأولى هي «البند 899»، وهو بند يعزز احتمالية فرض ضرائب إضافية على الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، وقد مر هذا في الخفاء، لكن المستثمرين باتوا خائفين في الوقت الحالي. وبالنظر إلى تراجع الأداء الأمريكي مقارنة بأسواق عالمية أخرى هذا العام، وحاجة الولايات المتحدة الماسة إلى الأموال الأجنبية، فمن الصعب تصور الموافقة على هذا البند، لكنه يبقى مع ذلك مثيراً للكثير من القلق.
والمسألة الأخرى هي الزيادة الهائلة في الاقتراض والعجز، اللذين يتضمنهما مشروع القانون «الجميل»، وها قد بدأت أسواق السندات في الشعور بالتوتر، ما يعني أن هذا الاقتراض الإضافي، سواء كان جميلاً أم لا، سيأتي بتكاليف باهظة.
ولا تميل أسواق الأسهم عادة إلى أن تشهد أداء جيداً عند ارتفاع عوائد السندات القياسية، خاصة في قطاعات مثل التكنولوجيا، التي عادة ما يشتريها المستثمرين بسبب إمكاناتها وليس بسبب الواقع الذي تمر به. وفي هذا السياق ذكر مارك داودينغ من «آر بي سي بلو باي أسيت مانجمنت»: «تدرك كل مؤسسة استثمارية هذا الأمر، لكنك إن حاولت تفسير الأمر للمستثمرين الأفراد فلن تجدهم مهتمين بهذا كله، فكل ما يهتمون بأمره هو الشراء عند انخفاض الأسعار وحسب».
هل هي الغيرة؟ ربما، لكن التعافي الذي يسير ببطء على مدى الأسابيع الستة الماضية أو نحو ذلك على وشك مواجهة بعض الاختبارات الصعبة.
