نمو الناتج المحلي ليس ضماناً لرفع مستويات المعيشة

آندي هالدين

بالنسبة للعديد من الحكومات، النمو هو الهدف الأسمى، لذلك، نجد الأمر يملأ خطاباتها السياسية. وهذا يترك هذه الحكومات، وخاصة تلك التي تتشدد في الأمر، في حالة من العذاب الأبدي، حيث يكون كل إصدار للناتج المحلي الإجمالي سبباً للاحتفال (إن كان جيداً) أو للندم والكثير من الهموم (إن كان سيئاً).

إن هذا الولاء المفرط لمفهوم إحصائي مجرد، وغير مفهوم إلى حد كبير، عمره يبلغ قرناً واحداً بالكاد.. وهو أمر غريب بالنسبة للمواطن العادي. لكن مع كل هذا الحماس الشديد، هناك واقع اقتصادي عالمي جديد صارخ: لقد تراجع النمو بشكل ملموس. وبين دول مجموعة السبع، انخفضت معدلات النمو بأكثر من النصف عند مقارنة السنوات الخمس والعشرين الأولى من القرن الحادي والعشرين بالسنوات الخمس والعشرين الأخيرة من القرن العشرين.

وكان لهذا التراجع عواقب مجتمعية وخيمة للغاية، مثل انخفاض مستويات المعيشة، وتضخم الدين العام، وإرهاق الخدمات العامة. وقد أدى هذا كله إلى تأجيج الاستياء العام، وفي نهاية المطاف إلى حالة جلية من الهشاشة السياسية. وفي نظر كثيرين، فإن من شأن استعادة النمو أن تعكس هذه الرياح المعاكسة القوية، اقتصادياً واجتماعياً، وأن تُحقق إصلاحاً سياسياً.

ولكن هل سيحدث ذلك فعلاً؟ خلال هذا القرن، لم يكن نمو الناتج المحلي الإجمالي ضماناً لارتفاع مستويات المعيشة، وخاصة بين الأسر ذات الدخل المنخفض. وفي الولايات المتحدة، ارتفع متوسط الدخل الحقيقي بالكاد منذ ثمانينيات القرن الماضي. وفي المملكة المتحدة، انخفض متوسط الأجر الحقيقي عما كان عليه وقت الأزمة المالية العالمية. ولا يبدو أن هناك أي تراجع في الأفق: فمن المتوقع أن تكون دخول أدنى 50% في نهاية مدة الولاية التشريعية لهذا البرلمان (في إنجلترا) أقل مما كانت عليه في بدايته، كما كانت هي الحال في البرلمان السابق.

وخلال نقاش حول استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبخ واحد من الحضور أحد المتحدثين قائلاً: «هذا ناتجكم المحلي الإجمالي اللعين، وليس ناتجنا المحلي الإجمالي». كانت هناك حقيقة إحصائية في هذه النكتة. لم يكن النمو مؤخراً في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وخارجها شاملاً على الإطلاق، سواء من الناحية الجغرافية أو الاجتماعية والاقتصادية. وكما أوضح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن النمو غير الشامل الذي يركز على الأثرياء والجنوب الشرقي يزيد من استياء العامة.

عموماً، فإن العلاقة بين الدخل والرضا العام معقدة. وعند مستويات دخل تتجاوز حوالي 75 ألف دولار أمريكي للفرد، يختفي هذا الارتباط تماماً - وهو ما يُسمى بمفارقة إيسترلين - التي اكتشفها أستاذ الاقتصاد الأمريكي ريتشارد إيسترلين عام 1974. فوق هذه المستويات، لا يمكن للمال أن يشتري لك الحب (أو السعادة). ولكن حتى دون هذا الحد، تكون العلاقة بين الدخل والرفاهية دقيقة للغاية ويصعب إدراكها.

واستناداً إلى استطلاعات رأي المواطنين، تشير أبحاث الأكاديمية كارول غراهام إلى أن الارتقاء الاجتماعي أهم من حجم الدخل لرضا الجمهور. على سبيل المثال، المجتمعات والبلدان الأكثر فقراً، حيث تحسنت الآفاق بشكل ملحوظ مقارنةً بالأجيال السابقة، باتت أكثر سعادة من الأماكن الأكثر ثراءً حيث تعثرت الآفاق أو انخفضت. باختصار، الرحلات بين الأجيال أهم من وجهات الناتج المحلي الإجمالي.

عندما يتعلق الأمر بالرفاهية، فإن الحراك الاجتماعي يتفوق على الدخل القومي. يعتمد النجاح المجتمعي الدائم على فتح الفرص أكثر من تعظيم الإنتاج. ويحمل مفهوم مختلف من الناتج المحلي الإجمالي مفتاح إحساسنا بالذات والنمو والرضا - «الحلم الأمريكي» للتحسن من جيل إلى آخر الجيل، والذي ناقشه لأول مرة المؤرخ جيمس تروسلو آدامز عام 1931.

لكن الحلم الأمريكي مات بالنسبة للكثيرين، حيث تشير الاستطلاعات إلى أن حوالي ربع الأمريكيين فقط يعتقدون الآن أن «الحلم الأمريكي لا يزال حقيقياً». وبالمقارنة، فإنه في عام 2010، كانت هذه النسبة أكثر من النصف.

ويشير «أطلس الفرص» الذي أعده الخبير الاقتصادي راج تشيتي إلى أن هذه التصورات تعكس بدقة واقعاً جديداً، حيث تباطأ الحراك الاجتماعي أو تراجع في أجزاء كثيرة من الولايات المتحدة على مدار نصف القرن الماضي. كما تشير مقاييس الحراك الاجتماعي في المملكة المتحدة إلى تراجع أو ركود مماثل.

والشخص العادي اليوم في العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من عمره يكسب أقل من والديه عندما كانا في نفس العمر، بعد احتساب التضخم. وكثيرون منهم تبدو فرصتهم لامتلاك منزل أقل احتمالاً من أجدادهم، وبعضهم أقل احتمالاً من أجداد أجدادهم. أي بالنسبة لهم، فقد تباطأ مسار الفرص أو بدأ يتراجع.

وبالنسبة للكثيرين، يبدأ هذا في وقت مبكر من الحياة. في المملكة المتحدة، ينشأ 4.5 ملايين طفل في فقر. والأطفال الفقراء أكثر عرضة للفصل من المدرسة بمرتين، ويفشل ثلثهم في تحقيق درجاتهم في سن الـ16. وما يقرب من مليون شخص لا يتعلمون ولا يكسبون في سن 16 ـ 24. أي أن جيلاً بأكمله معرض لخطر الضياع. وجيل اليوم الضائع يعني نمواً ضائعاً للغد.

وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين، أصبح الارتقاء من جيل إلى آخر معياراً اجتماعياً، لأول مرة في تاريخ البشرية، فيما أدى تآكل الحراك الاجتماعي خلال القرن الحالي إلى عصر من التطلعات المبتورة والتوقعات المتضائلة، وهو ما أدى بدوره إلى تقزم نمو الأفراد والمجتمعات والأمم. ورسم كتاب مايكل يونغ «صعود الجدارة» صورة بائسة للطبقية الاجتماعية حسب التحصيل الدراسي. وبعد ما يقرب من 70 عاماً، أصبح هذا العالم الخيالي واقعاً اليوم.

وأدى صعود الجدارة إلى انهيار ثروات أولئك الذين لا يمتلكون سوى مؤهلات أكاديمية منخفضة أو معدومة. والنمو المنخفض ليس سبباً، بل أثر. بدون إعادة تشغيل سلم الفرص، يصبح السعي وراء النموّ مسعىً أحمق.
وهكذا، من الواضح أن الناتج المحلي الإجمالي يقيس كل شيء إلا ما هو جدير بالاهتمام.

وباتت كلمات روبرت إف. كينيدي عام 1968 الآن أصدق من ذي قبل، فقد حجب الحراك الاجتماعي المتعثر الطريقَ الوحيدَ الموثوقَ به لتحقيق الرفاهية والنمو المستدامين. وبإعطائها الأولوية لمعدلات النمو الوطني على الفرص المحلية، تتجه الحكومات إلى الوجهة غير الصحيحة وتلاحق قوس قزح الخطأ.