آلان بيتي
شكل حكم محكمة التجارة الدولية الأمريكية، رغم تعليقه من جانب محكمة الاستئناف الفيدرالية، صدمة حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لذلك فقد هز الأوساط السياسية والاقتصادية على حد سواء.
وخلص القضاة إلى أن الرئيس دونالد ترامب تجاوز حدود صلاحياته حين استند إلى قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية لفرض رسوم جمركية على الشركاء التجاريين من دون قيود أو ضوابط.
ورغم أن هذا الاستنتاج يبدو بديهياً في نظر المواطن العادي، فإنه يمثل تطوراً قضائياً غير مسبوق في سياق السياسة التجارية الأمريكية، ويعتبر هذا الحكم منعطفاً دراماتيكياً وغير متوقع لإحدى الركائز الأساسية في سياسة ترامب.
لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار نهج المحاكم الأمريكية المعهود في منح السلطة التنفيذية هامشاً واسعاً من الحرية والتفويض في قضايا الأمن القومي دون أدنى تدخل يذكر.
ولا تعني هذه الضربة القضائية نهاية المعركة التجارية بطبيعة الحال، فالتعريفات المعروفة باسم «القسم 232» المفروضة على السيارات والصلب تظل خارج دائرة تأثير الحكم القضائي، ولذلك فقد سارع ترامب إلى استئناف القرار أمام محكمة الدائرة الفيدرالية.
كما أنه يملك في جعبته المحكمة العليا المتعاطفة معه كملاذ أخير إذا اقتضت الحاجة، ناهيك عن وجود ترسانة من التشريعات القديمة المنسية التي يمكنه تفعيلها لاستئناف حملته الجمركية.
بيد أن الحكم يسلط الضوء على أن سياسة ترامب التجارية ليست عبثية في مضمونها فحسب، بل هشة أمام المتغيرات الخارجية، سواء كانت قرارات قضائية أو تقلبات في الأسواق المالية، أو كما نشهد اليوم، تأثير الاثنين معاً، وقد تجلى ذلك في الارتفاع الفوري لعقود الأسهم المستقبلية فور إعلان القرار.
وقد جاء توقيت المحكمة مثالياً، ولو عن غير قصد، حيث يتزامن مع دخول الاتحاد الأوروبي مرحلة حاسمة من المفاوضات مع ترامب، إذ تسعى بروكسل جاهدة لتجنب تعريفة جمركية عامة بنسبة 50 % هدد بها الرئيس الأمريكي يوم الجمعة قبل الماضي.
مشترطاً إبرام اتفاقية تجارية قبل الأول من يونيو، وعقب محادثات هاتفية مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال عطلة نهاية الأسبوع، قرر ترامب تأجيل الموعد النهائي إلى التاسع من يوليو.
والسؤال المطروح: هل أظهر ترامب ضعفاً بتأجيل الموعد، أم انصاعت فون دير لاين بقبولها تكثيف المحادثات؟ الإجابة قد تكون مزيجاً من الاثنين، فمسرحية ترامب في التلويح بسلاح التعريفات ثم التراجع أصبحت مناورة معروفة في قاموسه السياسي، خصوصاً بعدما صرح من قبل بأنه لا يرغب أصلاً في إبرام اتفاق مع الاتحاد الأوروبي.
وهو يستنكر مصطلح «تاكو»، الذي يعد اختصاراً باللغة الإنجليزية لعبارة «ترامب دائماً يتراجع»، وهو مستوحى من نمط تراجعه المتكرر عن زيادة التعريفات استجابة لاضطرابات الأسواق المالية، لكن هذا الاستنكار لا ينفي حقيقة سلوكه المتكرر في هذا السياق.
رغم ذلك كله، فقد نجح تهديد ترامب في إرغام بروكسل على الدخول بجدية في معترك المفاوضات والاستعداد للتراجع عن مواقفها الصلبة، عوضاً عن اتخاذ موقف المتعالي المترفع عن الحوار.
وقد كشفت صحيفة فاينانشال تايمز أن المفوضية الأوروبية باتت مستعدة للتخلي عن شرطها الأساسي المتمثل في مطالبة ترامب بإلغاء الرسوم «المتبادلة» البالغة 10%، وتتجه بدلاً من ذلك نحو تقديم تنازلات أحادية الجانب.
وتواجه فون دير لاين ضغوطاً متصاعدة من حكومات الدول الأعضاء، ولا سيما إيطاليا، حيث تتركز القاعدة الانتخابية لرئيسة وزرائها جورجيا ميلوني في المناطق الصناعية الشمالية التي تعتمد اقتصادياً على التصدير بشكل رئيسي.
ومن زاوية المصداقية والمضمون، مع الأخذ في الاعتبار التداعيات الخطيرة على ما تبقى من النظام التجاري العالمي القائم على القواعد، الذي يتشدق الاتحاد الأوروبي بكونه حاميه وحارسه، فإن النتيجة ستكون كارثية إذا انتهت المفاوضات باتفاق يشبه ولو من بعيد صفقات ترامب الهزيلة المؤقتة مع بريطانيا أو الصين.
وبعدما وجه الاتحاد سهام نقده اللاذع للمملكة المتحدة جراء إبرامها اتفاقاً غير ملزم، حيث لا يزال لا يوجد أفق زمني لإزالة واشنطن للتعريفات المفروضة على الصلب والسيارات البريطانية التي يُفترض أن لندن نجحت في التفاوض لإلغائها، سيجد الاتحاد الأوروبي نفسه في موقف مهين وساذج إذا رضخ لتقديم تنازلات أحادية في اتفاق يفتقر لأي صفة قانونية ملزمة.
ويعني قرار المحكمة، رغم تعليقه، أن الاتحاد أمامه فرصة ذهبية لتصحيح مساره واستجماع جرأته السياسية، والإقرار بأن ترامب أضعف بكثير مما توحي به الضجة المحيطة به.
والمواجهة والتصدي يظلان خياراً أكثر حكمة من محاولة حماية نقاط الضعف لدى الدول الأعضاء والشركات المصدرة الكبرى، التي تميل بطبيعتها إلى تمييع المبادئ الراسخة للقانون التجاري الدولي حفاظاً على مصالحها التصديرية.
ولا يتعلق الأمر بصادرات السيارات أو السلع الفاخرة فقط، فقد كان الاتحاد الأوروبي منذ البداية الند الأكثر صعوبة في مواجهة ترامب التفاوضية، حيث أكد مسؤولون سابقون في إدارته أن الكتلة الأوروبية تجسد كل ما يثير حفيظة الرئيس الأمريكي غريزياً:
الليبرالية المستيقظة، والتمسك بالإجراءات والقواعد العابرة للحدود، والرفض الصريح للانصياع للهيمنة الأمريكية المطلقة. ولو سمحنا لأنفسنا بلحظة تأمل، يمكن للمرء أن يرى في المواجهة بين الاتحاد الأوروبي بقيادة فون دير لاين، والولايات المتحدة بقيادة ترامب تجسيداً للصراع الأزلي بين النظام والفوضى.
إن الخيار الأمثل للاتحاد الأوروبي والنظام التجاري العالمي يتمثل في أن تنأى بروكسل بنفسها عن أي حديث حول تقديم تنازلات أحادية، وأن تكتفي - في أقصى الحالات - بالإصرار على إبرام اتفاقيات متبادلة مجدية في قطاعات محددة كصناعة السيارات، مع توجيه إشارات بين الحين والآخر للأسواق المالية وإبرام صفقات مع أطراف دولية أخرى، فثمة اتفاقية تجارية طال انتظارها مع تكتل ميركوسور في أمريكا الجنوبية لا تزال تنتظر التصديق النهائي.
إن المفاوضات التجارية كثيراً ما تعكس صراعات بين المصالح المحلية بقدر ما هي مواجهات بين الدول، فإبرام صفقة هزيلة مع ترامب مدفوعة بنزعة تجارية انتهازية من حكومات الاتحاد الأوروبي سيرسل إشارة واضحة بأن التكتل عاجز عن تقديم التضحيات الضرورية لتحوله إلى قوة جيوسياسية ذات وزن ثقيل تدافع عن سيادة القانون.
وقد تلقى هذا الطموح مؤخراً ضربة موجعة عندما فرض الاتحاد الأوروبي قيوداً على واردات الحبوب والدواجن والسكر من أوكرانيا استجابة لضغوط المزارعين البولنديين والفرنسيين، متجاهلاً الضرورة الاستراتيجية لدعم جارته الطامحة للانضمام للتكتل الأوروبي.
وينبغي أن يعقد بقية العالم آماله على قدرة الاتحاد الأوروبي، من بين كل القوى التجارية، على الوقوف بحزم أمام تهديدات ترامب، فلطالما سعت الحكومات الأوروبية لتأكيد زعامتها العالمية، وأعلنت بالفعل عن «ساعة أوروبا» مراراً، ثم أخفقت في تجسيدها.
وتبقى التجارة أحد المجالات التي يمتلك فيها الاتحاد الأوروبي الشرعية للعمل الجماعي الموحد بلا منازع، ويتمتع بالحجم والمرونة الاقتصادية الكافية لمقاومة استقواء ترامب. إنها فرصة ذهبية لإثبات ذلك، وينبغي تماماً عدم التفريط بها.