الحياة العملية الأطول تعوض شيخوخة السكان

كريس غايلز

ثمّة سوق رائجة للتحليلات الاقتصادية الشاملة، وغالباً ما تتجه نحو التنبؤ بقرب وقوع أزمة كبرى، ولعل توماس مالتوس كان من أوائل من أسّسوا لهذا النمط من التفكير، حين نشر توقعاته في القرن الثامن عشر بأن النمو السكاني سيتجاوز دائماً قدرة العالم على إنتاج الغذاء، إلا أن سوء حظه جعله عرضة للتدقيق والتمحيص طيلة قرون، على عكس كثير من الاقتصاديين الذين غالباً ما يفلتون من هذا النوع من النقد الصارم.

ومن هذا المنطلق، وقبل الاطلاع على التوقعات طويلة الأمد التي نشرها صندوق النقد الدولي بشأن أسواق العمل العالمية، شعرت بالحاجة إلى الرجوع بالزمن ربع قرن إلى الوراء، لمعرفة ما الذي كانت تتنبأ به منظمات اقتصادية مشابهة.

ويبرز في هذا السياق تقرير أصدرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2000 بعنوان «إصلاحات مجتمع آخذ في الشيخوخة»، والذي يعكس بوضوح نمط التفكير السائد آنذاك، ولا يزال منطقه يحتفظ بقدر من الوجاهة.

وتنبأ التقرير بأن جيل طفرة المواليد سيتقاعد عن العمل في العِقد الأول من الألفية، ما يضمن أن إجمالي التوظيف كحصة من تعداد السكان سينخفض اعتباراً من 2010، لكن هذا التراجع سيخففه من ناحية أخرى عمل مزيد من النساء، وأن الحياة العملية الفعلية لشخص يعيش في اقتصاد متقدم ستتراوح بين 34 و35 عاماً.

وخلص تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن «البيانات تشير إلى أن التقاعد والشيخوخة المستمرة لا يسيران جنباً إلى جنب». وأضافت أن الأدلة تظهر أن كبار السن يقضون وقتهم بكل بساطة في «المزيد من مشاهدة التلفاز والنوم». يا له من هراء.

رغم أن العالم قد شهد نصيبه من الأزمات الاقتصادية منذ الألفية، إلا أن نسبة السكان العاملين تظهر علامات ارتفاع بدلاً من الانخفاض. كما أن انتهاء فترة حياة العمل القصيرة للرجال وارتفاع معدلات التوظيف بشكل ملحوظ بين النساء قد ضمنا ارتفاع متوسط حياة العمل الفعالة إلى ما يزيد على 38 عاماً، ما يفوق التوقعات بكثير وقد تحسنت بشكل ملحوظ تقريباً كل ما وصفته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأنه يمثل تحدياً.

ولأن كتاب الأعمدة غالباً لا يكتبون عن الأشياء التي سارت بشكل جيد، لذا يستحق دراسة السبب وراء الأداء الأفضل للوظائف والتوظيف عما كان يعتقد سابقاً.

قد تود منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ادعاء أن هذه التغييرات كانت نتاج تحذيراتها، ما دفع الحكومات لإصلاح أسواق العمل وأنظمة التقاعد. إنها فكرة مريحة لمن يعملون في المنظمات الدولية، لكنها غير محتملة للغاية.

وفي دراسة حديثة ذات دلالة، أشار خبراء الاقتصاد لدى «جولدمان ساكس» إلى وجود ارتباط ضئيل بين الحياة العملية الأطول والتغييرات التي طرأت على أعمار التقاعد الرسمية في مُختلف البلدان، ولعل التوجه نحو الحياة العملية الأطول كان موجوداً بغض النظر عن ما إذا أجرت الحكومات إصلاحات سياسية مستهدفة.

عوضاً عن ذلك، أرجع «جولدمان ساكس» وصندوق النقد الدولي غالبية التوجه نحو الحياة العملية الأطول إلى مجموعة أسباب إيجابية، مثل ازدياد متوسط العمر، وتمتع العاملين من كبار السن بوظائف تسمح لهم خبراتهم فيها بمزيد من الاستقلالية، علاوة على أرباب العمل المستنيرين الذين يقيمون وزناً لهذه الخبرة. لذا، ربما يكون عالم العمل أفضل حالاً مما كنا نخشى.

لكن، بالطبع، لا يمكن لهذه التطورات الإيجابية أن تشمل كافة الموظفين في كل مكان، فغالباً ما اضطر الذين يحصلون على أجور أقل إلى العمل لمدة أطول، أو يتقاعدون ثم يعودون من جديد إلى القوى العاملة، ليتمكنوا من توفير الحد الأدنى من المستوى المعيشي.

لكن كان مما خفف من هذا كان هو انحسار العمل اليدوي للذكور، لذا، لم تعد هناك أعداد كبيرة من الرجال غير القادرين جسدياً على أداء وظائفهم، لتحول الاقتصادات إلى وظائف أقل اعتماداً على القوة البدنية، ومن المقرر استمرار هذا طالما لم ينجح دونالد ترامب في إعادة الوظائف في قطاع التصنيع.

وأظهر تقرير صندوق النقد الدولي أن تزايد القدرات الإدراكية لدى كبار السن على مدار الـ25 عاماً الماضيين كان أبرز المحركات وراء القدرة على العمل لمدة أطول. وبالنسبة لأدمغتنا، فقد انتهى التقرير إلى أن سن الـ70 في العصر الحالي صار هو سن الـ50 فيما سبق، لذا، يمكن لهذه الاتجاه أن يستمر.

ورجح الصندوق أن تسهم الجهود المبذولة لتكون الوظائف أكثر ملاءمة لكبار السن في تخفيف ثلاثة أرباع التباطؤ المتوقع للنمو العالمي بسبب الشيخوخة على مدار الـ25 عاماً المقبلة. أعلم أن هذا توقع جريء آخر من خبراء الاقتصاد، لكن النظرة الإيجابية تلك جديدة ولافتة.

ستكون الشيخوخة التي يتمتع فيها السكان بالصحة جائزة كبيرة لمجتمعاتنا، وعلينا أن نغتنمها.