باول ينجو من الإقالة.. وتهديدان آخران لا يزالان يلاحقان «الفيدرالي»

كريس جايلز

في بداية العام الجاري كان مراقبو الاحتياطي الفيدرالي قلقين من ثلاثة تهديدات رئيسية تواجه المركزي الأمريكي خلال عام 2025: أن يفرض دونالد ترامب تعريفات جمركية تسبب ركوداً، وأن ينفذ سياسة مالية تضخمية، وكذلك أن يقوض استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.

وقد فعل كل ذلك، لكن منذ أيام ألغت المحكمة العليا الأمريكية أحد التهديدات، التي كانت تحوم حول الاحتياطي الفيدرالي، ففي حكم عاجل قررت أغلبية أعضائها بإبقاء جوين ويلكوكس، التي أقالها ترامب من المجلس الوطني لعلاقات العمل في يناير دون مبرر، خارج منصبها إلى حين البت في القضية أمام المحاكم الأدنى درجة.

وأشارت المحكمة العليا إلى أنها كانت تميل إلى إلغاء سابقة عمرها 90 عاماً بحكم يقضي بأن قيام الكونغرس بإنشاء مناصب في مجالس مماثلة، يتمتع فيها المسؤولون بحماية من الفصل، باستثناء حالات سوء السلوك الجسيم، هو أمر غير دستوري.

في البداية بدا الأمر سيئاً لمحافظي الفيدرالي، الذين يتمتعون بهذه الحماية بموجب القانون الذي وضعه الكونغرس، لكن أغلبية المحكمة العليا غيرت توجهها، وقررت أنه رغم تمتع مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكية بالحماية نفسها.

إلا أنهم موظفون لدى «كيان شبه خاص ذي هيكل فريد»، وبالتالي تنطبق عليه قواعد مختلفة، وهذا خبر سيّئ بالنسبة لويلكوكس ومسؤولين آخرين أقالهم ترامب، لكنه جيد لجيروم باول، ومحافظي الفيدرالي الآخرين.

صحيح أن الحكم لم يكن منطقياً بشكل كبير، لأن الحماية القانونية متطابقة، بحسب تصريحات ليف ميناند من كلية الحقوق في جامعة كولومبيا لصحيفة «فاينانشال تايمز»، وهو موقف تبناه أيضاً القضاة الثلاثة المعارضون للقرار، لكن ما يعتقده ميناند، ونحن معه والأقلية في المحكمة لا يهم كثيراً، لأن القرار النهائي بيد الأغلبية.

إذن، باول في مأمن؛ أما المسؤولون الأمريكيون الآخرون فهم ليسوا كذلك. وجيروم باول، الذي نجا من التهديد، احتفل بالأمر بجرأة عبر استعادة ملصق التجنيد البريطاني في الحرب العالمية الأولى: «أبي، ماذا فعلت في الحرب العظمى؟».

وأشاد بالجامعات الأمريكية واصفاً إياها بأنها «أصول وطنية بالغة الأهمية»، في وقت تتعرض فيه لهجوم من الإدارة الحالية، ودعا خريجي جامعة برينستون إلى النضال من أجل الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية.

وقال باول: «عندما تنظرون إلى الوراء بعد 50 عاماً سترغبون في معرفة أنكم بذلتم كل ما في وسعكم، للحفاظ على ديمقراطيتنا وتعزيزها، والاقتراب أكثر من المبادئ الخالدة، التي أرساها المؤسسون».

وبهذا يتبقى خطران من أصل ثلاثة، وقد تكون وظائف مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي آمنة، لكن سمعتهم لا تزال تعتمد على استجابتهم لتهديدات التعريفات والميزانية، التي تحوم حول الاقتصاد الأمريكي، ويمكن الخوض في مزيد من التفاصيل مع تبلور السياسات خلال الأسابيع المقبلة.

لكن من المفيد توثيق كيف تغيرت توقعات الأسواق والمحللين بشأن سياسة الفيدرالي النقدية خلال الشهر الماضي، ففي بداية مايو كانت الهيمنة لمخاطر الركود الناتجة عن الرسوم الجمركية.

وكانت هناك مخاوف من أن تؤدي الزيادات الحادة في الرسوم إلى تباطؤ شديد في الاقتصاد الأمريكي، ما يمكن أن يجبر الاحتياطي الفيدرالي على تخفيف السياسة النقدية حتى لو ارتفع التضخم.

ورغم تهديدات ترامب بفرض رسوم أعلى على واردات هواتف «آيفون» وسلع أوروبية، إلا أن التقدير السائد حالياً هو أن السياسة المالية التوسعية، وتخفيف حدة الرسوم قلصا مخاطر الانكماش. وقد ارتفعت توقعات السوق بشأن معدلات الفائدة المستقبلية بشكل واضح على طول منحنى العائد، بزيادة تقارب 0.5 نقطة مئوية.

وتشير توقعات السوق إلى أن الاحتياطي الفيدرالي سيكون أبطأ في خفض معدلات الفائدة، لكن المستوى المتوقع في نهاية عام 2026 سيظل تقريباً كما كان في أوائل أبريل.

وإذا قمنا برسم معدلات الفائدة المستقبلية للسوق لنهاية عام 2025 ونهاية عام 2026 يتضح أنه خلال مايو ازداد الإدراك بأن الفيدرالي الأمريكي سيرغب في الانتظار والمراقبة قبل تغيير معدلات الفائدة.

ومنذ الشهر الماضي تبنت صحيفة «فاينانشال تايمز» رؤية تفيد بأن السيناريو الأساسي المنطقي هو عدم خفض معدلات الفائدة في الولايات المتحدة على الإطلاق خلال 2025، مع وجود سيناريو بديل، يتضمن تخفيفاً كبيراً للسياسة النقدية، ونحن نرى أن مخاطر كل من السيناريوهين متقاربة إلى حد كبير.

وإذا ما انتقلنا إلى التضخم في المملكة المتحدة فخلال الأسبوع الماضي تسببت أرقام التضخم لشهر أبريل في عناوين صحفية صعبة لبنك إنجلترا، حيث ارتفع معدل التضخم السنوي العام من 2.6 % في مارس إلى 3.5 % في أبريل، ولم يقتصر هذا الارتفاع على أسعار الطاقة، وارتفع التضخم الأساسي من 3.4 % إلى 3.8%.

كان الجميع يعلم أن التضخم سيرتفع، بسبب الزيادات الكبيرة في تعرفة الغاز والكهرباء في فبراير، إضافة لزيادات ضريبية محددة مثل رسوم تسجيل المركبات، واحتمالية ارتفاع أسعار تذاكر الطيران، بسبب تأخر عيد الفصح في 2025،

ولكن الأرقام الفعلية تجاوزت الزيادة المتوقعة، التي كانت 3.3 % وفقاً للمحللين، و3.4 % حسب توقعات بنك إنجلترا نفسه. ومن خلال مراجعة البيانات يبدو أن المشكلة الأكبر كانت في التوقعات أكثر من كونها مفاجأة سلبية في البيانات.

ومعظم الارتفاع في معدل التضخم العام يمكن إرجاعه إلى ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء، ورسوم تسجيل المركبات، وارتفاع أسعار تذاكر الطيران بنسبة 27 %، وجميعها تقلبات سعرية لمرة واحدة.

وعموماً لم يكن شهر أبريل سيئاً كما بدا في البداية، ومع ذلك لا شك في أن تراجع التضخم في المملكة المتحدة قد تباطأ، عند النظر إلى مقياسين يحاولان فعلاً رصد الطبيعة المستمرة لتحركات الأسعار.