مواصلة «التخبط» يهدد فرص النمو المنشود في بريطانيا

مارتن وولف
شهدت المملكة المتحدة، منذ الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009، فترةً من الركود الاقتصادي غير المتوقع، أدت إلى تراجع معدلات النمو بشكلٍ ملحوظ ونتيجةً لذلك، واجهت البلاد تحدياتٍ جمة في إدارة المال العام.

وتوفير الخدمات الأساسية، والحفاظ على رضا المواطنين وكان من الطبيعي أن يؤدي ركود الاقتصاد إلى حالةٍ من الاستياء العام، وهو ما تجلى بوضوح في الهزيمة التاريخية التي مُني بها حزب المحافظين في يوليو الماضي بعد أن حكم البلاد لأربعة عشر عاماً.

واليوم، تقع على عاتق حزب العمال مهمة إيجاد الحلول المناسبة للخروج من هذا المأزق. لكن هل ستُكلل جهوده بالنجاح؟ الحقيقة أنَّ ما طُرح في الميزانية مؤخراً لا يُبشّر بتحقيق هذا الهدف. وهنا يَبرز السؤال المُلِحّ: هل توجد حقاً خطة قادرة على إخراج بريطانيا من هذا النفق المظلم؟

لكن ما الذي يميز وضع المملكة المتحدة، إن وجد؟ حقيقة لا يوجد اختلاف كبير في معدل النمو المنخفض بحد ذاته، الذي يتماشى مع العديد من الدول الأخرى ذات الدخل المرتفع (باستثناء الولايات المتحدة).

لكن ما هو استثنائي هو حجم الانخفاض في معدل النمو الاقتصادي للفرد في المملكة المتحدة منذ الأزمة المالية. ولا بد أن نبدأ بتحليل جذوره وننظر في السبل الممكنة لعكس هذا الاتجاه.

أولاً، دعونا نلقي نظرة على الحقائق العامة. فقد كتب تورستن بيل، الرئيس التنفيذي السابق لمؤسسة ريزوليوشن والعضو الحالي في البرلمان عن حزب العمال، في كتابه الأخير «بريطانيا العظمى؟

كيف نستعيد مستقبلنا»، أن الأجور الحقيقية لم تظل دون تغيير خلال السنوات الـ15 فحسب، بل إن هذا لم يحدث منذ أوائل القرن التاسع عشر.

كما أنني ذكرت في مقال سابق حول الميزانية أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في المملكة المتحدة (عند تعادل القوة الشرائية) من المتوقع أن يكون أقل بنسبة 29% في عام 2024 مما كان متوقعاً لو استمر اتجاه النمو بين عامي 1990 و2007.

إذن، الأمر اللافت للنظر في المملكة المتحدة هو هذا التدهور الحاد في معدل النمو. ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 أعلى بنسبة 7% فقط مقارنة بعام 2007، وهو الأسوأ أداء مقارنة بالولايات المتحدة (الزيادة بنسبة 25%)، وألمانيا (الزيادة 11%)، واليابان (الزيادة 10%)، وفرنسا (الزيادة 9%)، لكنه كان أفضل قليلاً من كندا (الزيادة 4%) وإيطاليا (بدون تغيير).

ورغم أن المملكة المتحدة كانت تقريباً في فئة مماثلة لليابان وغيرها من البلدان الأوروبية الكبيرة ذات الدخل المرتفع، فإن معدل نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بين فترة 1990 ـ 2007 وفترة 2007 ـ 2024 انخفض بمقدار 1.9 نقطة مئوية (من 2.5% إلى 0.6%).

وقد شهدت جميع دول مجموعة السبع الكبرى انخفاضاً في نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بعد الأزمة المالية، لكن الانخفاض في المملكة المتحدة كان الأكثر حدة.

إذن، ما الذي يفسر الانهيار الحاد في نمو الناتج المحلي الإجمالي بالمملكة المتحدة؟ أحد العوامل المحتملة هو انخفاض معدل الاستثمار في البلاد. لكن متوسط إجمالي الاستثمار في المملكة المتحدة بين عامي 2008 و2024 كان أقل بمقدار 1.4 نقطة مئوية فقط مقارنة بالفترة بين 1990 و2007.

حيث بلغ 17.3% من الناتج المحلي الإجمالي. وعلى الرغم من أن هذا كان أدنى معدل في مجموعة السبع الكبرى، إلا أن الانخفاض لا يبدو كافياً لتفسير انهيار النمو.

وقد يكون أحد الأسباب هو أن المتوسطات منحرفة بسبب الركود العظيم وجائحة كورونا. وهناك سبب آخر يتمثل في أن الانخفاض المتواضع في إجمالي الاستثمار كان مصحوباً بانخفاض أكبر بكثير في صافي الاستثمار.

ويتفق التحليل الذي أجرته كونفرنس بورد مع هذا: تحليل المساهمات في النمو يعزو 1.1 نقطة مئوية من الانخفاض في متوسط النمو إلى انخفاض مساهمة الخدمات الرأسمالية، و0.5 نقطة مئوية بسبب انخفاض مساهمة «إنتاجية العوامل الكلية».

ومن الاستنتاجات المحتملة أن انخفاض الاستثمار، وارتفاع الاستهلاك، وانخفاض الكفاءة قد تضافرت معاً لتقليص النمو بشكل حاد. ولكن لابد أن يكون هناك شيء آخر وراء ذلك، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالكفاءة:

كان الناتج المحلي الإجمالي قبل الأزمة ومعدلات نموه إما مبالغاً فيه أو غير مستدام، أو كليهما. ويعد تراجع قطاع النفط أحد أسباب عدم الاستدامة. وهناك سبب آخر يتمثل في الفقاعة المالية العالمية قبل عام 2008، التي استفادت منها المملكة المتحدة باعتبارها مركزاً مالياً رائداً.

لكنها شوهت الناتج المحلي الإجمالي. فهي لم تبالغ فقط في مستويات استدامة القطاع المالي، ولكن أيضاً في مستويات استدامة مجموعة كاملة من الأنشطة المساعدة.

وفي الوقت الحاضر، يبدو أن تراجع النمو بعد الأزمة أقرب للواقع؛ حيث تبدو الطفرة التي سبقت الأزمة إلى حد كبير وكأنها كذبة. قد تكون هذه النظرة متشائمة للغاية، نظراً لأن الصدمات كانت شديدة الضرر، لكن إذا استقرت الأوضاع، قد يعود الزخم والحيوية إلى الاقتصاد.

ومع ذلك، فإن دولة متوسطة الحجم مثل المملكة المتحدة، تواجه شيخوخة سكانية، ومكانة متواضعة في أكثر القطاعات العالمية ديناميكية، مع عوائق تجارية فرضتها على نفسها مع أكبر شريك تجاري لها، وضغوط هائلة لزيادة الإنفاق العام، وانخفاض الاستثمار، وحتى انخفاض معدل الادخار، تواجه العديد من العقبات لتسريع تحقيق النمو الاقتصادي.

كما أن الجمع الحالي بين ارتفاع أسعار الفائدة ونسب صافي الدين للقطاع العام إلى الناتج المحلي الإجمالي التي تقترب من 100% يعد أمراً مقلقاً، فضلاً عن الوضع السياسي العالمي المضطرب.

من جانبه، يبدي مكتب مسؤولية الموازنة البريطاني تفاؤلاً حذراً، فقد توقع في تقريره الأخير تعافي نمو الإنتاجية، مُفترضاً عودته إلى مستوى متوسط ما قبل وبعد الأزمة. لكن من السذاجة الاعتقاد بأن هذا سيحدث تلقائياً.

فما تحتاجه البلاد هو استراتيجية نمو شاملة تُعالج نقاط ضعفها الرئيسية: تدني الاستثمار والمدخرات، ونقص توجيه رأس المال نحو المشاريع المُبتكرة، إضافة إلى ضعف البنية التحتية، والنقص في الإسكان المُلائم، وتفشي الشركات المُتعثرة، ومشكلة نقص المهارات، واستمرار أوجه التفاوت الإقليمي.

عموماً، من المؤسف ضياع فرصة الاستفادة على المدى الطويل من مكاسب النفط غير المُتوقعة من بحر الشمال وانخفاض أسعار الفائدة بعد الأزمة المالية. ويعزى كل ذلك إلى ميل المملكة المتحدة إلى «التخبط». لذلك بعد كل هذه النكسات، بات اتخاذ إجراءات حاسمة ضرورة مُلحة لم تتحقق بعد.