صناع الصفقات يترقبون ما بعد عصر قيود «بايدن التنظيمية»

خلال معظم القرن الحادي والعشرين، ساد اتفاق نادر بين الحزبين الرئيسين في واشنطن، على أن الحكومة الفيدرالية الأمريكية يجب أن تمنح الشركات الأمريكية، بما في ذلك وادي السيليكون و«وول ستريت»، حرية واسعة في ممارسة أعمالها.

ثم جاء جو بايدن إلى البيت الأبيض. وإحدى السمات المميزة لإدارته، هي تمكينه لقوى ناقدة، ليس بشكل كبير للتجارة، وإنما لتركز القوى في يد الشركات. ولم يكن هذا واضحاً فقط في الهيئات البارزة المعنية بمكافحة الاحتكار وإنفاذ قوانين الأوراق المالية.

بل إن المزاج تغير أيضاً في مكتب حماية المستهلك المالي، وحتى في وزارة النقل، التي شنت حملة صارمة ضد تعسف شركات الطيران تجاه الركاب.

وكان بايدن قلقاً في ما يتعلق بالمدى البعيد، حيث رأى أن الابتكارات الجديدة ستزدهر بشكل أفضل، في ظل بيئة تنافسية صحية، لا في ظل هيمنة شركات عملاقة تتجاوز قيمتها السوقية تريليوني دولار.

لكن رد الفعل من المديرين التنفيذيين والمصرفيين ومحاميي الشركات كان عنيفاً، لذلك كانت كامالا هاريس حريصة على التلميح إلى أن كبار المسؤولين التنفيذيين سيحظون بترحيب أكثر وداً في إدارتها.

وبدت الانتقادات لنهج بايدن غريبة في أعين كثيرين، فقد ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 70 % في السنوات الأربع الماضية، كما أن النمو الاقتصادي الأمريكي يبقى موضع حسد العالم.

وعلى صعيد عمليات الاندماج والاستحواذ، يبدو أن مجتمع الصفقات قد أصيب بالخوف، رغم أن نسبة التحقيقات التي أجرتها لجنة التجارة الفيدرالية ووزارة العدل تحت إدارة بايدن، لا تختلف كثيراً عن المعايير التاريخية، إلا أن هناك فرقاً جوهرياً: النظام كان أقل ميلاً للتوصل إلى تسويات تسمح بتمرير عمليات الاندماج.

بالتالي، كان هناك عدد غير معتاد من الصفقات- 9 صفقات في الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، وفقاً لإحصاءات شركة ديشرت القانونية- تخلى عنها البائع والمشتري بسبب مقاومة الجهات التنظيمية، وهو رقم يتجاوز المستويات المعتادة بكثير.

وبشكل منفصل، حققت الحكومة نتائج جيدة في المحاكم، فقد أصدر قاضٍ فيدرالي الشهر الماضي، حكماً بعرقلة صفقة الاندماج بين شركتي «تابستري» و«كابري هولدينجز».

ويتجه العام المقبل نحو انتعاش قوي في عمليات الاندماج والاستحواذ، حيث ارتفعت أسهم المصارف الكبيرة والمتخصصة، استعداداً لانتعاش طال انتظاره.

واستقرت تكاليف التمويل، ومر خطر الركود العميق، والأهم من ذلك، ازداد نمو الشركات رغم تباطؤ صفقات الاستحواذ والاندماج. وتتطلع شركات الإعلام الكبرى وشركات الأدوية الكبرى، إلى عمليات اندماج جديدة، وترغب شركات الأسهم الخاصة في الاستمرار في دمج القطاعات المختلفة.

وربما يتضح أن عهد بايدن في النشاط التنظيمي كان مجرد فترة تاريخية عابرة، مع احتمال نفي أبطاله قريباً إلى الجامعات ومراكز الأبحاث، لكن إدارته وجهت ضربة كانت ضرورية للتسامح التقليدي الممل الذي طالما ميَز السياسة العامة.وعموماً، وكما هو واضح، فإن صناع القرار في «وول ستريت» والشركات الأمريكية، سيرحبون بنهاية هذا العصر.