مارييك بلوم
يرى البعض أن الدولار يوشك على فقدان مكانته بكونه ملاذاً آمناً لكل الأغراض، بعد أن خفضت وكالة «موديز» تصنيفه الائتماني من «AAA»، وهو التصنيف الممتاز الوحيد المتبقي للدولار من وكالات التصنيف الائتماني الثلاث الكبرى.
لذلك تبرز أمام الاتحاد الأوروبي فرصة فريدة لاستثمار حالة الشك بين المستثمرين، وتعزيز موقع اليورو عملة احتياطية عالمية، وهي خطوة قد تعود بمكاسب اقتصادية ملموسة. لقد آن الأوان لكسر المحظورات المرتبطة بإصدار ديون مشتركة باسم الاتحاد الأوروبي، بضمان جماعي من الدول الأعضاء.
ويعود تراجع مكانة الدولار جزئياً إلى السياسات التجارية والمالية للرئيس دونالد ترامب، غير أن ثمة تحولاً هيكلياً أيضاً؛ فقد انخفضت حيازات الأجانب من الدين الأمريكي من 50 % من إجمالي الديون المستحقة في عام 2014 إلى نحو الثلث فقط بحلول عام 2024.
في المقابل تتزايد شهية المستثمرين الأجانب تجاه السندات الأوروبية، لا سيما الألمانية منها، ففي عامي 2023 و2024 ارتفعت حيازات الأجانب من هذه السندات بما يقارب 160 مليار يورو، وهو ما يعادل 8 % من إجمالي السندات الألمانية حالياً. وينبغي على الاتحاد الأوروبي تسريع هذا التوجه لسببين رئيسيين:
أولاً، إن ارتفاع الطلب على اليورو يفضي إلى خفض تكاليف الاقتراض بالنسبة لحكومات التكتل، وشركاته، ومواطنيه، وقد أظهرت دراسة لبنك التسويات الدولية أن شراء الأجانب لسندات الخزانة الأمريكية بقيمة 100 مليار دولار يؤدي، وفق تقديرات محافظة، إلى خفض معدلات الفائدة بمقدار 0.20 نقطة مئوية، ما يبرز الأثر الإيجابي الكبير لزيادة حيازة الأجانب للديون السيادية.
ثانياً، إن ترسيخ مكانة اليورو كونه ملاذاً بديلاً يعزز الاستقرار في فترات الانكماش الاقتصادي، فمن شأن تدفق رؤوس الأموال نحو الأصول المقومة باليورو، في أوقات الضغوط الاقتصادية، أن يخفض تكاليف التمويل على الحكومات الأوروبية، ما يمنحها ذخيرة مالية أكبر لتحقيق الاستقرار في اقتصاداتها.
وفي مثل هذه اللحظات تستفيد المصارف الأوروبية أيضاً من ارتفاع قيمة أصولها من الديون السيادية، ما يسهم في كسر حلقة «الهلاك المتبادل» بين المصارف والدول.
والتي أرعبت الأسواق خلال أزمة منطقة اليورو في أوائل العقد الماضي، حين أدت موجات البيع في الديون السيادية إلى إضعاف ميزانيات المصارف، والعكس صحيح. إن تعزيز قدرة النظام المالي على الصمود أثناء الأزمات يتيح للمصارف مواصلة دعم الاقتصاد الحقيقي بدلاً من التسبب في انهياره في أكثر الأوقات حساسية.
وللاستفادة من هذه اللحظة التاريخية الفريدة ينبغي على أوروبا التحرك سريعاً، فالقيام بدور أقوى كونه ملاذاً آمناً يتطلب توفر أصول آمنة بكميات كافية، سواء عبر السندات الوطنية ذات التصنيف الائتماني المرتفع، أو من خلال سندات أوروبية موحدة، مدعومة من الدول الأعضاء، ويتم إصدارها بوتيرة منتظمة وقابلة للتوقع.
وبالنسبة لبعض الحكومات، وخصوصاً تلك التي تتمتع بنسب دين منخفضة إلى الناتج المحلي الإجمالي، فإن سندات منطقة اليورو تنطوي على مخاطر كبيرة؛ إذ تخشى هذه الدول أن يؤدي دعم الديون المشتركة إلى تشجيع الدول الأكثر تبذيراً على الاستمرار في الإنفاق دون انضباط.
وتُعد هذه المخاوف مشروعة، غير أن معارضة السندات الأوروبية المشتركة بشكل قاطع تعني ببساطة تفويت فرصة أكبر بكثير، يمكن أن تعود بالفائدة حتى على الدول الأكثر حرصاً وتشدداً في سياساتها المالية، وأحد سبل تقليص مخاطر التبذير المالي يتمثل في جعل سندات منطقة اليورو مشروطة، فعلى سبيل المثال يمكن لتلك السندات أن تحل محل الديون الوطنية، بدلاً من أن تضاف إلى إجمالي الديون القائمة.
وكما ترى هيلين راي، أستاذة الاقتصاد في كلية لندن للأعمال، فإنه لا ضرورة لأن تُسجل الحكومات عجزاً مالياً مرتفعاً جداً كي تصبح عملتها عملة احتياطية عالمية؛ فالأمر يتعلق بوجود مخزون كافٍ من الديون المتاحة في الأسواق.
ولحسن الحظ فإن لدى أوروبا مخزوناً وفيراً من الديون، يمكن للسندات المشتركة أن تحل محله، ويمكن لفرض قيود أكثر صرامة على خرق القاعدة الأوروبية، التي تنص على ألا يتجاوز العجز الحكومي نسبة 3 % من الناتج المحلي الإجمالي، أن يُقلل المخاطر الأخلاقية المحتملة في هذا السياق.
لكن حتى مع وجود هذه الشروط قد تظل هناك مخاوف لدى بعض الأطراف في فنلندا وهولندا وألمانيا من أن يؤدي إصدار ديون مشتركة، مثلاً مع إيطاليا أو اليونان، إلى رفع تكاليف الاقتراض الخاصة بحكوماتهم، غير أن هذا التصور يبدو متشائماً بشكل مبالغ فيه، فالمؤسسات الأوروبية تصدر حالياً ديوناً تحمل تصنيف «AAA» الائتماني، وهو أعلى من التصنيف المتوسط للحكومات الأوروبية.
والذي يقف عند مستوى «AA» المنخفض. علاوة على ذلك فإن قيام الحكومات الأوروبية بتمويل جزء صغير فقط من ديونها بشكل مشترك -على سبيل المثال، أول 10 %- يُفضي إلى توزيع المخاطر فيما بينها، ونتيجة لذلك يمكن أن يسهم هذا في خفض المخاطر الكلية المرتبطة بالديون السيادية الأوروبية.
وقد يؤدي أيضاً إلى تحسن التصنيفات الائتمانية لكل الحكومات الوطنية، كما أن زيادة سيولة هذه السندات وإصدارها بشكل منتظم من شأنه أن يسهل إدراجها في مؤشرات الديون السيادية، ويمهد الطريق لنشوء سوق العقود الآجلة الخاصة بها.
ويقودنا ذلك إلى التأثير الكلي على تكاليف التمويل، فعلى سبيل المقارنة يدفع الاتحاد الأوروبي حالياً علاوة تتراوح بين 0.15 و0.20 نقطة مئوية لتمويل نفسه على مدى يتراوح بين سبع إلى عشر سنوات، مقارنة بالحكومة الهولندية.
وإذا زادت جاذبية السندات الأوروبية المشتركة، سواء داخل الاتحاد أو خارجه، فقد يؤدي ذلك بسهولة إلى خفض تكاليف التمويل المستقبلية إلى ما دون المعدل، الذي تدفعه حالياً دولة ذات سياسة مالية متحفظة مثل هولندا.
ولا حاجة للقول إن دول جنوب أوروبا قد تستفيد بدرجة أكبر، وهو أثر سينعكس بشكل غير مباشر على بقية دول الاتحاد أيضاً، عبر تسريع وتيرة نمو السوق الأوروبية الداخلية. إن الحجج الاقتصادية واضحة تماماً: إذا أراد الاتحاد الأوروبي استثمار لحظة ضعف الولايات المتحدة فعليه أن يشرع سريعاً في وضع أطر مقبولة لإصدار سندات موحدة لمنطقة اليورو.