تحذيرات قوية من عودة التضخم نتيجة لخطط ترامب

كولبي سميث
في وقت سابق من العام الجاري قال دونالد ترامب: إن إعادة انتخابه ستؤدي إلى «قفزة في الأجور، واختفاء تام للتضخم، وعودة قوية للتوظيف، وازدهار غير مسبوق للطبقة المتوسطة».

وفيما اقتنع معظم الناخبين بهذا الكلام المنمق فإن العديد من خبراء الاقتصاد حذروا أن خطط ترامب لفرض تعريفات شاملة، وترحيل ملايين المهاجرين قد تؤدي لنتائج عكس ما يدعيه الرئيس المنتخب تماماً، مؤكدين أن مثل هذه الخطط ستعيد إشعال ضغوط التضخم، في وقت لم تتم فيه السيطرة بالكامل على أسوأ موجة ارتفاع في الأسعار منذ جيل كامل.

وفي حين حفزت التعهدات بخفض الضرائب على الأغنياء والشركات أسواق الأسهم، إلا أن آخرين يعتقدون أن هذه التحركات ستؤجل المشكلات لأعوام مقبلة، وستزيد العجز الحكومي الكبير بالفعل.

وإذا ما أضفنا إلى ذلك تهديدات الرئيس المنتخب بالتدخل في سياسات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي فإن كثيرين يعتقدون أن الفترة الثانية لترامب في البيت الأبيض قد تتسبب في مشكلات لأكبر اقتصاد على مستوى العالم.

وقال ديفيد ويلكوكس، الموظف السابق لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، والذي يعمل حالياً لدى معهد بيترسون للاقتصاد الدولي: «هذا النوع من السياسات، والترحيلات المنتظرة لكثيرين، والتعدي على استقلالية الفيدرالي، وفرض تعريفات جمركية على مستوى غير مسبوق، تضخ المزيد من عدم اليقين في البيئة الاقتصادية».

وتابع: «ليس هناك الكثير هذه الأيام مما يمكن أن يوحد رجال الأعمال والأسر وصانعي السياسات، إلا أن هناك مفهوماً واحداً يتفق عليه الجميع تقريباً وهو أن عدم اليقين يضر بالاقتصاد».

من جانبهم يعتقد خبراء الاقتصاد المؤيدون للأجندة الاقتصادية لترامب، مثل ستيفن مور، وآرثر لافر، ولاري كودلو، أن تخفيضاته الضريبية ستعزز الطلب.

وسيؤدي تأثيرها على النمو الاقتصادي إلى تعزيز العائدات الضريبية، ما سيقلص العجز الهائل الذي تعانيه البلاد، فيما يرى آخرون أن تخفيض الضرائب قد يكون محفزاً قصير الأجل للنمو. وقال جيمس نايتلي، الخبير الاقتصادي لدى بنك «آي إن جي»:

«سيضمن فوز ترامب بيئة ضريبية أقل حدة، وهو ما من شأنه أن يعزز المعنويات والإنفاق على المدى القريب، إلا أن التعريفات المقترحة، وفرض قيود على الهجرة، وارتفاع تكاليف الاقتراض، ستشكل رياحاً معاكسة للاقتصاد بشكل متزايد خلال فترته الرئاسية».

وبينما لم تتم السيطرة بشكل تام على التضخم، إلا أن الرئيس المنتخب سيتولى زمام الأمور في وقت يمر فيه أكبر اقتصاد بالعالم بانتعاشة قوية، وفق أغلبية المؤشرات.

فهناك وفرة في الوظائف، ومعدلات منخفضة لتسريح العمالة، والمستهلكون يواصلون إنفاقهم رغم ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها منذ 23 عاماً حتى وقت قريب.

وبعد تفشي المخاوف من الركود تلاشت هذه المشاعر مع انخفاض التضخم من 7%، ليقترب حالياً من مستهدف الفيدرالي البالغ 2 %، ما يشير إلى أن الهبوط الناعم، الذي طال انتظاره أصبح في المتناول.

وقالت كارين دينان، المسؤولة الكبيرة السابقة لدى الاحتياطي الفيدرالي، والتي تعمل حالياً في جامعة هارفارد: «لا يزال الاقتصاد قوياً للغاية، كما نقترب كثيراً من الظروف الطبيعية للتضخم، ولا شيء يشير إلى أن سوق العمل في وضع مقلق».

وترتكز خطة ترامب على فرض تعريفات جمركية شاملة، يرى أنها لن تعزز التصنيع الأمريكي، وتخلق الوظائف وتخفض الأسعار فحسب، بل ستمد البلاد بقدرة أكبر على المساومة في أي مفاوضات مع الحلفاء والخصوم على حد سواء.

ومع وصفه لها بأنها «أفضل شيء اخترعته البشرية على الإطلاق» طرح ترامب فكرة فرض تعريفات جمركية واسعة النطاق تصل إلى 20 % على كافة الواردات، إضافة إلى تعريفات بنسبة 60 % على البضائع الصينية.

وأعلن ترامب أنه سيقرن هذه الخطط بما اعتبره «أكبر برنامج ترحيل في التاريخ الأمريكي»، وحذر خبراء اقتصاد من أنه إذا قام بتفعيل هذا البرنامج، وتقلصت القوى العاملة الأمريكية خلال هذه العملية، فسيدفع ذلك الأجور إلى الارتفاع وسيطيح بعضاً مما أنجزه الفيدرالي حتى الآن في التصدي لمعضلة التضخم.

ورجح شيبنيم كاليملي-أوزجان، الخبير الاقتصادي في جامعة براون، ارتفاع البطالة أيضاً لأن الشركات ستكون مضطرة لتقليص أعمالها في ظل ارتفاع التكاليف الناجم عن التعريفات الجمركية، وازدياد الأجور الناتج عن تغير سياسة الهجرة.

وقال: «يتم الدفع نحو هذه السياسات باعتبار أنها ستخلق مزيداً من الوظائف للأمريكيين، لكن التأثير الحقيقي سيكون معاكساً تماماً لذلك».

ومن المحتمل أن يضطر المركزي الأمريكي، الذي بدأ في خفض تكاليف الاقتراض في سبتمبر، إلى عكس مساره إذا عادت ضغوط الأسعار إلى الظهور.

وخلال رئاسة ترامب الأولى، استجاب مجلس الاحتياطي الفيدرالي للحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين بخفض أسعار الفائدة بمقدار 0.75 نقطة مئوية، ما اعتبر حينها بمثابة تحوط ضد احتمال توجيه ضربة كبيرة للنمو.

إلا أنه مع عدم إخماد «جمر» التضخم بالكامل حتى الآن، فقد تكون استجابة الفيدرالي الأمريكي مختلفة عما كانت عليه عام 2019، عندما كان التضخم أقل من مستهدف الفيدرالي البالغ 2 في المئة.

ولم تسفر التعريفات الجمركية أو القيود على الهجرة التي فرضها ترامب خلال فترته الأولى عن ارتفاع كبير في التضخم، لكنها كانت على نطاق أصغر من السياسات، التي يقترحها للأعوام الأربعة المقبلة.

وخلال فترة ولايته الأولى قام ترامب بهجمات متكررة على الفيدرالي ورئيسه جيروم باول، لعدم قيامه بخفض الفائدة في وقت مبكر وبمعدلات أكبر، لكن هذه المرة لوح ترامب بمزيد من التدخل المباشر في سياسة المجلس، بما في ذلك الدعوة بأن يكون له رأي أكبر بكثير في قرارات السياسة النقدية.

وسلط فنسنت رينهارت، المسؤول السابق في الفيدرالي، والذي يشغل حالياً منصب كبير خبراء الاقتصاد لدى «دريفوس» و«ميلون»، الضوء على تمتع الفيدرالي «بالكثير من الضمانات القانونية والمؤسسية» لحماية مكانته باعتباره مؤسسة مستقلة، ويشمل ذلك تمديد فترة ولاية حكام المصرف، الذين يتطلب تعيينهم موافقة الكونجرس.

وتنتهي فترة باول في مايو 2026، وقبل ذلك، لن يكون هناك سوى مقعد شاغر واحد في مجلس محافظي الفيدرالي هذا العام، ولن يكون هناك مقعد شاغر في المجلس حتى عام 2030، حينما تنتهي فترة ولاية كريستوفر والر.

رغم ذلك فإن أي إشارة إلى تآكل استقلالية الفيدرالي، من شأنها أن تكون لها عواقب وخيمة على السوق المالية، وهو مثار خوف متزايد، بالنظر إلى العجز الهائل، الذي تعانيه البلاد والذي سيمتد خلال فترة ترامب الثانية.

ووفقاً لنموذج ميزانية «بن وارتون» في جامعة بنسلفانيا ستسفر تعهدات الرئيس الأمريكي المنتخب بتمديد التخفيضات الضريبية على الأثرياء، التي ينتهي أجلها في عام 2025، إضافة إلى خفض الضرائب على الشركات المحلية المنتجة، وإعفاء أجور محددة من الضرائب على الدخل، عن ازدياد العجز بمقدار 5.8 تريليونات دولار على مدار العقد المقبل.

وقال ويلكوكس، مدير البحوث الاقتصادية الأمريكية لدى «بلومبرغ إكونوميكس»: «نحتاج كأمة إلى إجراء حوار حول وضع السياسة المالية في مسار أكثر استدامة. والخطوة الأولى في معالجة هذه المشكلة لا تتمثل في إنفاق إضافي أو تخفيضات كثيفة للفائدة». واستطرد قائلاً: «لكن المشكلة أن ترامب أوضح بجلاء أنه لا يعبأ بالاستدامة المالية على الإطلاق».