تناقض واضح بين ازدهار الابتكار في الصين والنمو الضئيل للإنتاجية

تيج باريخ

يعد صعود الصين، بقيادة الدولة، نحو الريادة العالمية في التصنيع والتكنولوجيا أمراً لافتاً للنظر.

ومع ذلك هناك تناقض واضح في نموذج بكين؛ ابتكار مثير للإعجاب لكنه يقترن بنمو ضئيل للإنتاجية.

ومنذ تولي شي جين بينغ رئاسة الصين عام 2013 ضاعف الحزب الشيوعي الصيني جهوده في بناء الاعتماد على الذات في المجالين الصناعي والتكنولوجي، مستفيداً من عقود من التخطيط الاقتصادي طويل الأمد.

ويقول مارك ويليامز، كبير الاقتصاديين الآسيويين في «كابيتال إيكونوميكس»: «تم استخدام مجموعة من الأدوات الحكومية لدفع المشروع قدماً، ويشمل ذلك المنح والإعفاءات الضريبية وضمانات القروض ودعم المشتريات العامة لكل حلقة من سلسلة التوريد، من المواد الخام إلى البحث والتطوير».

وتظهر بيانات «جلوبال تريد أليرت» أن الصين قد نفذت أكثر من 7500 سياسة وإجراء للدعم منذ عام 2009، كذلك فإنه خلال الفترة بين بين 2009 و2022، كان إجمالي الإعانات التي قدمتها بكين يعادل حوالي ثلثي جميع الإعانات التي اعتمدتها اقتصادات مجموعة العشرين المتقدمة مجتمعة، وفقاً لصندوق النقد الدولي، وقد نجحت هذه الإجراءات بالفعل في تعزيز الابتكار والصناعة الصينية.

وبينما لم تتصدر الصين سوى في ثلاث تقنيات فقط من أصل 64 تقنية مهمة بين 2003 و2007، فإنها أصبحت الدولة الأولى في 57 من هذه التقنيات الـ64 بين 2019 و2023، وفقاً للمعهد الأسترالي للسياسة الاستراتيجية، كذلك تعد الصين اليوم أكبر مصنّع في العالم للسيارات الكهربائية والبطاريات والعديد من تقنيات الطاقة المتجددة.

وفي التقنيات الرائدة تقترب من المركز الأول للولايات المتحدة في التكنولوجيا الحيوية والكمومية، وفقاً لمؤشر جامعة هارفارد للتقنيات الحرجة والناشئة، كما سلط ظهور «ديب سيك» في يناير الضوء على المكانة المتصاعدة للصين في مجال الذكاء الاصطناعي.

وهكذا فقد نضجت منظومة الابتكار الأوسع في البلاد، فالجامعات الصينية تخرج عدداً من حاملي شهادات الدكتوراه في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات أكبر بكثير مقارنة بالولايات المتحدة.

ومنذ عام 2013 زاد الإنفاق السنوي على البحث والتطوير بأكثر من 480 مليار دولار من حيث تعادل القوة الشرائية؛ أي أكثر من نظيره في الولايات المتحدة. والأهم من ذلك أصبحت الشركات الصينية أكثر براعة في تصدير المنتجات في القطاعات المتطورة التي تعتمد في الغالب على التكنولوجيا المحلية.

المفارقة بعد ذلك كله أن طفرة التصنيع والابتكار في بكين لم تترجم إلى مكاسب إنتاجية ملحوظة، وتشير تقديرات إجمالي إنتاجية العوامل (أو مقياس كفاءة الإنتاج) في الصين، الصادرة عن صندوق النقد الدولي وبنك التنمية الآسيوي، إلى تباطؤ نموها السنوي منذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بل إن البعض يشير إلى انخفاض حاد في أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

وعند مستويات مماثلة من التنمية كان نمو الإنتاجية الكلية للعوامل في الصين أقل بكثير من أداء اقتصادات شرق آسيا «المعجزة»، وفقاً لتحليل أجراه معهد لوي.

في السنوات الأخيرة خفض العديد من التوقعات أيضاً معدل النمو المحتمل للصين.

ويقول مارك ويليامز: «يستغرق الابتكار وقتاً لتعزيز النمو، لكن هذا التأخر لا يفسر سبب تباطؤ الإنتاجية بشكل كبير أو ضعفها مقارنة بالاقتصادات الغنية الأخرى. ومن الواضح أن هناك عاملاً أكثر هيكلية يلعب دوراً».

ويضيف: «تتزامن النقطة التي بدأ فيها نمو الإنتاجية في الصين يخيب الآمال تماماً مع التحول نحو إعطاء الأولوية للريادة التكنولوجية بعد الأزمة المالية العالمية».

وقد تسهم عوامل عدة في ضعف نمو الإنتاجية الكلية للعوامل، مثل انهيار سوق العقارات في الصين، وضعف الطلب، وسوء التقدير، لكن السياسة الصناعية المبذرة هي المشتبه به الرئيسي وراء ذلك.

وتؤكد ورقة عمل صادرة عن صندوق النقد الدولي في أغسطس هذا الأمر، حيث تقدر ورقة العمل أن تدابير السياسة الصناعية يمكن أن تكون السبب وراء انخفاض الإنتاجية الكلية للعوامل في الصين بنحو 1.2%، وناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 2%.

وبصرف النظر عن التكلفة الباهظة للدعم - والتي يقدرها الباحثون بحوالي 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي للصين في عام 2023 - فقد دعم هذا السخاء من جانب بكين مواطن عدم الكفاءة، وتسبب في فائض الطاقة الإنتاجية، وتسبب في خسائر مالية فادحة.

وفي الواقع ترجح سياسات التدخل كفة الميزان ضد فرص أخرى لتعزيز الإنتاجية، بما في ذلك نمو الشركات الناشئة. على سبيل المثال، بسبب ازدياد الدعم الحكومي، نضب تمويل رأس المال الاستثماري الخاص.

وتشير تحليلات أخرى إلى أن الدعم الحكومي ربما يكون قد حفز الشركات على التركيز على مشاريع منخفضة المخاطر وأكثر أماناً لتأمين التمويل.

كما أدى الاندفاع نحو دخول قطاعات التكنولوجيا المتقدمة وكسب دعم الدولة إلى فائض في الإنتاج ومنافسة شرسة في الأسعار، وتحولت الموانئ إلى مواقف للسيارات الكهربائية؛ كما تُركت شرائح الذكاء الاصطناعي دون تشغيل في مراكز البيانات المنشأة حديثاً.

ويصعب بمرور الوقت تصدير الفائض إلى الخارج خصوصاً بعد أن أدرك الشركاء التجاريون خطر الإغراق الصيني.

ومع ذلك فإنه من خلال جذب الشركات بحوافز مالية تمكن بعضها من ترسيخ مكانته، وتحقيق أرباح سريعة، وتعزيز حصته السوقية، والاستفادة من وفورات الحجم.

وبهذه الطريقة رفعت السياسة الصناعية لبكين الإنتاج في القطاعات الاستراتيجية، وغذت صناعات بأكملها، من بناء السفن إلى صناعة الرقائق، وأنشأت شركات محلية رائدة مثل شركة «بي واي دي» المصنعة للسيارات الكهربائية.

ولكن هذا خلّف الكثير من الهدر والتكلفة باهظة، فمقابل كل شركة مثل «بي واي دي»، هناك عشرات الشركات التي تتكبد خسائر كبيرة وتنهار في النهاية، وقد ارتفعت بالفعل حصة شركات التصنيع الصينية الخاسرة منذ عام 2013، وبسرعة خلال السنوات القليلة الماضية.

وكشف تحليل أجرته شركة «ايه إس آر» عن أن نسبة أرباح أكثر من ربع الشركات غير المالية المدرجة قبل الفوائد والضرائب إلى تغطية الفوائد كانت أقل من 1% في العام الماضي، مقارنة بنحو 10% في عام 2018.

وبهذه الطريقة يمكن وصف الصعود التكنولوجي للصين بأنه مثير للإعجاب لكنه «مبذر للغاية»، فمع بروز عدد من عمالقة التكنولوجيا ذوي الإنتاجية العالية هناك أيضاً عدد لا يحصى من شركات «الزومبي»، ولهذا يجب أن يكون هذا بمثابة تحذير لمن يعجبهم بالنموذج الحالي للصين.

ومن الواضح أن الصين تتبع استراتيجية خاطئة لتحقيق نمو سريع في الإنتاجية، والاستراتيجية الأفضل ينبغي أن تتضمن تحرير الأسواق، وإصلاح المؤسسات الحكومية، وتعزيز سيادة القانون، وكما يؤكد الواقع فإن النمو والابتكار المستدامين ينبعان من الاستخدام الكفء لرأس المال والأراضي والعمالة والأموال العامة مع الإبداع.