أكيلا كوينيو
تفاخر بريطانيا بريادتها في مجال المدفوعات، إذ كانت سباقة في إطلاق نظام التحويلات المصرفية الفورية عام 2008. وبعد عقد من الزمن، برزت تكنولوجيا جديدة تقوم على مشاركة البيانات، مبشّرة ببداية حقبة رقمية جديدة في عالم المال.
ورغم ما حققته «الصيرفة المفتوحة» من نجاحات في مجالات مختلفة من التمويل، مثل تسريع قرارات الإقراض وتوفير أدوات حديثة لإعداد الموازنات، إلا أنها فشلت في تحقيق وعدها بإحداث ثورة حقيقية في قطاع المدفوعات.
وأشارت بيانات «أوبن بانكينج ليميتد»، إلى أن الصيرفة المفتوحة مكنت من إجراء 27 مليون عملية مدفوعات بالمملكة المتحدة خلال شهر مارس. وسجلت الهيئة المنظمة لأنظمة المدفوعات 1.92 مليار معاملة عن طريق البطاقات في شهر فبراير، وذلك طبقاً لأحدث البيانات المتاحة.
وتتيح هذه التكنولوجيا للمستهلكين مشاركة معلوماتهم المالية مع مصارف وتطبيقات أخرى ومتاجر التجزئة على الإنترنت، كما تسمح للمُقرضين ببدء تحويلات «الدفع المصرفي» عن طريق إرسال المعلومات إلى المصارف دون الحاجة لوسطاء البطاقات، مثل «ماستر كارد» و«فيزا».
ولاقت الضجة المُثارة حول الصيرفة المفتوحة رواجاً مع طفرة التكنولوجيا المالية «الفينتيك» التي شهدتها المملكة المتحدة في العِقد الماضي، وجاء ذلك في وقت سعت فيه الجهات التنظيمية إلى تشجيع المنافسة عقب الأزمة المالية العالمية.
وساعد هذا الأمر لندن على احتلال مركز ريادي في هذا المجال. وصارت العاصمة البريطانية قاعدة لأعلى الشركات الناشئة الأوروبية من حيث القيمة، وهي «ريفوليوت»، وأن تكون أيضاً ثاني أكثر الوجهات جاذبية للاستثمارات في التكنولوجيا المالية بعد الولايات المتحدة، بحسب هيئة «إنوفيت فاينانس».
وساعد ازدهار التكنولوجيا المالية في حصول مجموعة من الشركات الناشئة، مثل «ترو ليير» و«جو كاردلِس»، في جمع الملايين من المستثمرين، بما في ذلك «تنسنت» الصينية وشركة المدفوعات الأمريكية «سترايب»، اللتان كانتا تسعيان لتقديم بدائل للطرق الدفع التقليدية، من خلال السماح للمتسوقين بالتخلّي عن المدفوعات بالبطاقات عن طريق توفير خيار «الدفع عبر المصرف» في نقاط البيع لدى متاجر التجزئة.
وعلّقت الشركتان آمالاً على تخفيف وقت إدخال معلومات البطاقات وتحرير التجار من الرسوم التي تتقاضاها كل من «فيزا» و«ماستر كارد».
لكن الشركات التي نشأت بالمملكة المتحدة أخفقت في تحقيق أرباح في الوقت الذي ثبّطت فيه أسعار الفائدة الأعلى معنويات المستثمرين تجاه القطاع.
وقامت شركة «ترو لير» الخاسرة بتسريح ربع قوتها العاملة العام الماضي قبل إعلانها خفض قيمتها بنسبة 30%، وهو ما قوّض مكانتها باعتبارها شركة «يونيكورن» بتقييم يفوق المليار دولار.
كذلك، سرحت منافستها «غو كاردلِس»، سرّحت 20% من قوتها العاملة عام 2023 في محاولة لتقليل التكاليف وبلوغ مرحلة الربحية بحلول عام 2026. ويشير مطّلعون على أداء الشركة إلى أنها قريبة من تحقيق أرباح.
وقال أحد مستشاري شركات الخدمات المصرفية المفتوحة، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه، «إنها فقاعة»، مشيراً إلى التمويل الضخم الذي تلقته هذه الشركات سابقاً خلال دورة مبالغ فيها حول قطاع التكنولوجيا المالية.
وقال ناطق بلسان شركة «ترو ليير»، إن التصوّر بأن الصيرفة المفتوحة لم تحقق انطلاقة «خاطئ»، لافتاً إلى أن الشركة الناشئة كانت «واحدة من أسرع شركات التكنولوجيا المالية «الفينتيك» العالمية في بلوغ مرحلة معالجة 100 مليار عملية مدفوعات سنوياً، ما يشير إلى سرعة اعتماد العملاء والتجار لها».
رغم ذلك، ووفق ريبيكا هيكمان، الشريكة لدى مكتب أديلشو غودارد للمحاماة، فإن «اعتماد حلول الدفع المصرفي كان أبطأ مما توقع الكثيرون». وسلط الضوء على التحديات التي تواجه القطاع.
وذلك في إطار مراجعة لتنافسية نظام المدفوعات في المملكة المتحدة، بقيادة الرئيس التنفيذي السابق لشركة «نيشن وايد»، جو جارنر، وذلك بتكليف من الحكومة.
وحذر جارنر من أن المملكة المتحدة «تواجه خطر التخلّف» عن دول أخرى في هذا المجال، ووصف توجّه كبرى شركات التكنولوجيا إلى عالم المدفوعات بأنه «نقطة تحوّل».
وناشد جارنر، المملكة المتحدة، بالمساعدة في تطوير صناعة الصيرفة المفتوحة عن طريق التخلّص من التداخل التنظيمي، وتطوير استراتيجية وطنية للمدفوعات، وهي الاستراتيجية التي نشرتها حكومة حزب العمال أواخر العام الماضي.
ويمثل إخفاق الصيرفة المفتوحة في تحقيق طموحاتها الكبيرة في بريطانيا مصدر قلق خاص للحكومة، لأن التكنولوجيا التي كانت للمملكة المتحدة فيها الريادة أصبحت رائجة في أسواق أخرى يقل فيها انتشارات البطاقات.
وقالت ريبيكا هيكمان من «أديلشو»، إن أحد العوامل وراء هذا الاعتماد الأبطأ من المُتوقع يكمن في «غياب فهم العملاء أو ثقتهم». وليس لدى العديد من المستخدمين المُحتملين الدراية بتوفر التكنولوجيا الجديدة. وتوصلت دراسة أجرتها «يوغوف» في عام 2018، إلى أن ثلاثة أرباع البالغين تقريباً في المملكة المتحدة لم يسمعوا عن الصيرفة المفتوحة من قبل.
وهناك عائق آخر، وهو عدم رؤية الناس لمنافع الدفع عن طريق حلول الصيرفة المفتوحة. كما أن المدفوعات عن طريق البطاقات على الإنترنت أضحت أكثر سلاسة في الأعوام الأخيرة، ما يُعزى جزئياً إلى بروز المحافظ الرقمية، مثل «أبل باي» و«غوغل باي».
ويرى ريكاردو تورديرا-ريتشي، مدير السياسات لدى اتحاد المدفوعات، أن «المشكلة لا تكمن في أن الصيرفة المفتوحة ليست ناجحة، وإنما في حقيقة أن الحلول الأخرى للمدفوعات تعمل بشكل جيد للغاية». كما يحجم العملاء أيضاً عنها بسبب غياب حماية المستهلكين.
فرغم فرض رسوم على التجار، إلا أن «ماستر كارد» و«فيزا» توفّران شيئاً لا تقدمه الصيرفة المفتوحة، وهو آلية «رد المبالغ المدفوعة» التي تسمح للمستهلكين باسترداد أموالهم إذا تعرضوا للاحتيال في حالة شراء منتج معيب.
ويُعد هذا أمراً مهماً بالغ الأهمية للمتسوقين عبر الإنترنت الذين تتآكل ثقتهم بسبب تزايد عمليات الاحتيال المرتبطة بالمدفوعات. وقد خسر البريطانيون نحو 2.1 مليار إسترليني نتيجة عمليات الاحتيال عام 2023، بحسب هيئة «يو كيه فاينانس».
وبعد إدراك تفويتها فرصة تحدي هيمنة «فيزا» و«ماستر كارد» على مُشتريات التجزئة، وجهت الصناعة أنظارها إلى الانخراط في المرحلة التالية من الصيرفة المفتوحة، وهي المدفوعات المتكررة المتغيرة. ومن شأن أسلوب الدفع الجديد أن يسمح للأطراف الثالثة بتحصيل المدفوعات مباشرة من الحسابات المصرفية للعملاء.
وكانت الجهات التنظيمية والصناعة تتطلع إلى إطلاق المدفوعات المتكررة المتغيرة بصورة تجارية للمنافسة مع الخصم المباشر وللسماح للعملاء بدفع فواتير المرافق، والتبرعات للجهات الخيرية.
وكذلك الاشتراكات بطريقة أكثر مرونة، مع خيار تعديل قيمة المدفوعات بمرور الوقت على سبيل المثال، لكن إطلاق نظام المدفوعات الجديد لم يَسِر بسلاسة حتى الآن.
والسبب يكمن في أن مؤيدي النظام يواجهون صعوبة في تأسيس نموذج تجاري. وذلك لأن الحكومة ألزمت المصارف بالمشاركة في نظام الصيرفة المفتوحة بدون مقابل، بينما تحقق البنوك أرباحاً من خلال طرق الدفع الأخرى، بالتالي لا توجد لديهم أي حوافز للاستثمار في نظام منافس.
كما أعاق كل من التداخل التنظيمي والروتين تطوير المدفوعات المتكررة المتغيرة. وقد توقف التقدم في هذا الصدد لتقسيم العمل بين فريق عمل مُشترك يتألف من جهتين تنظيميتين، هما هيئة السلوك المالي والجهة التنظيمية المسؤولة عن المدفوعات.
لكن، بعد عامين من الغموض، بدأت الصناعة في استعادة الأمل في قدرتها على التسويق أخيراً للمدفوعات المتكررة المتغيرة. ووضعت حكومة المملكة المتحدة ذلك الأمر هدفاً أساسياً في «رؤيتها الوطنية للمدفوعات»، التي كشفت عنها راشيل ريفز، وزيرة الخزانة، في مانشن هاوس.
وفي معرض الجهود الرامية إلى تعزيز القطاع والتخلّص من الروتين، أعلنت الحكومة خططاً للتخلي عن هيئة تنظيم نظام المدفوعات، وأسندت إلى هيئة السلوك المالي مهمة إتاحة المدفوعات المتكررة المتغيرة، وجاء ذلك مع تذكيرها للهيئة بمهمتها الثانية المتمثلة في تعزيز النمو.
وفي وقت مبكر من الشهر الجاري، وافقت 31 شركة، تشمل مصارف وشركات عاملة في التكنولوجيا المالية، على الاشتراك في تمويل المرحلة التالية في تطوير المدفوعات المتكررة المتغيرة.
وقالت هيلين تشايلد، رئيسة هيئة «أوبن بانكينغ إكسلنس»: «نحن حالياً بصدد استعادة تاجنا»، مضيفة: «لقد قضينا وقتاً طويلاً للغاية في الحديث بدلاً من أن نشمّر عن سواعدنا للعمل».