ستيفن موريس - ميليسا هيكيلا - كريستينا كريدل
شهد المؤتمر التقني السنوي الأبرز لشركة غوغل، والمخصص لمجتمع المطورين والتقنيين منذ أيام، حضوراً مفاجئاً للمؤسس المشارك سيرجي برين، الذي شدد على الأهمية الاستراتيجية التي ستكتسبها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مستقبل الشركة.
وكشف برين أنه يقضي معظم وقته يومياً في مختبر الذكاء الاصطناعي التابع لغوغل، حيث يعمل على تحفيز المهندسين للريادة في تطوير الذكاء الاصطناعي العام، وهو النظام القادر على تجاوز القدرات البشرية.
وقال: «بصراحة، لا ينبغي لأي متخصص في علوم الحاسوب أن يتقاعد، بل عليه أن يواصل العمل»، مؤكداً أن «الذكاء الاصطناعي سيكون أكثر تأثيراً بشكل هائل من الإنترنت أو الهاتف المحمول».
غير أن السؤال الملح الذي يواجه الشركة يتمثل في التحدي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على هيمنة غوغل على سوق البحث عبر الإنترنت، تلك الهيمنة التي باتت مهددة للمرة الأولى منذ جيل كامل عقب إطلاق شات جي بي تي أواخر عام 2022.
واستغل سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي للشركة، منصة المؤتمر لإطلاق ما وصفه بـ«إعادة تصور شاملة للبحث» لمواجهة التحدي الناشئ من روبوتات الدردشة الذكية.
حيث سيتم دمج ما تطلق عليه الشركة «وضع الذكاء الاصطناعي» في شريط البحث والمتصفح والتطبيقات، ما سيتيح للمستخدمين الحصول على إجابات حوارية بدلاً من قائمة الروابط الزرقاء التقليدية.
ويمثل هذا المشروع حجر الزاوية في رؤية غوغل لمستقبل البحث — وهي رؤية تأثرت بعمق بالنجاح الساحق لشركة أوبن آيه آي، مطوّرة شات جي بي تي — وتسعى الشركة لاستثمار نماذج «جيميني» اللغوية الضخمة، ومراكز البيانات، وقاعدة المستخدمين، وشبكة التطبيقات المتكاملة التي تمتلكها الشركة.
ومع شروعها في هذا التحول الجذري، تواجه غوغل وشركتها الأم ألفابيت ما يُعرف بمعضلة المبتكرين: كيفية دمج هذا الأسلوب الجديد للعثور على المعلومات عبر الإنترنت دون المساس بإيراداتها الإعلانية الهائلة البالغة 198 مليار دولار من خدمة البحث.
وأشارت غوغل إلى أن جزءاً من الحل يكمن في الابتعاد عن نموذجها المجاني الممول بالإعلانات، فقد طرحت اشتراكات مدفوعة لمنتجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بما فيها وكيل ذكاء اصطناعي يُدعى «مارينر» وأدوات إنشاء الفيديو المعروفة باسم فيو.
والتي تتطلب تكاليف تطوير باهظة وقدرات حوسبة غير مسبوقة لتشغيلها، وتتراوح أسعار هذه الاشتراكات بين 20 دولاراً للباقة الأساسية و250 دولاراً شهرياً للوصول الفائق، متجاوزة بذلك المستويات التي يقدمها منافسوها الرئيسون أوبن آيه آي وأنثروبيك.
كما تعتزم غوغل دمج الإعلانات في وضع الذكاء الاصطناعي — والذي تؤكد الشركة أنه سيتيح استهدافاً فائق الدقة وبالتالي عائدات أكثر ربحية للمعلنين — إلى جانب طرح منتجات مبتكرة مثل نظارات الواقع المعزز وصولاً إلى الروبوتات مستقبلاً.
ولا يزال المستثمرون يتحلون بالحذر حيال التهديدات الوجودية التي تواجه الشركة، إذ سجلت أسهمها أداءً أضعف من منافسيها في قطاع التكنولوجيا الكبرى مثل مايكروسوفت وميتا، ويجري تداولها بمضاعفات أرباح أقل نسبياً.
ويراقب المستثمرون عن كثب مؤشرات تراجع التفاعل مع محرك البحث التقليدي، ويتساءلون ما إذا كانت المنتجات الجديدة ستدعم الإيرادات أم تستنزف الأعمال القائمة.
وأطلقت الشركة وضع الذكاء الاصطناعي، المدعوم بنسخة محسّنة من نموذج جيميني، للمستخدمين الأمريكيين كتجربة متكاملة توفر إجابات دقيقة بسرعة فائقة.
ولم يعانِ هذا الإصدار من الأخطاء المحرجة التي لاحقت سلفه نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي، الذي يعرض إجابات موجزة للموضوعات الشائعة في أعلى صفحات النتائج، فقد تعرضت تلك المحاولة الأولى لدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في منتجها الأساسي لانتقادات واسعة العام الماضي عندما قدم توصيات غريبة مثل تناول الصخور، ووضع الغراء على البيتزا.
ورغم النمو اللافت لشات جي بي تي الذي يقول إن لديه أكثر من 600 مليون مستخدم شهرياً، مقابل 400 مليون لجيميني، لا تزال غوغل تهيمن على 90 % من عمليات البحث على الإنترنت، ويشغّل نظام أندرويد نحو ثلاثة أرباع الهواتف عالمياً.
ويشكل وضع الذكاء الاصطناعي الذي أطلقته غوغل تهديداً مباشراً لشركة بيربليكسيتي، الشركة الناشئة المثيرة للاهتمام في مجال البحث الذكي، والتي شارك في تأسيسها متدرب سابق في غوغل.
حيث استطاعت استقطاب 30 مليون مستخدم خلال عامين فقط، فرغم ضآلة حجمها بالمقارنة بعملاق البحث، إلا أنها أثارت قلق غوغل بمعدل نموها المتسارع، كما أنها تجري محادثات متقدمة مع شركة أبل لتصبح خيار بحث معتمداً في متصفح سفاري، متحديةً بذلك غوغل في إحدى أكثر شراكاتها الاستراتيجية قيمة.
وأكد بيتشاي أن الذكاء الاصطناعي لا يُهدد الإيرادات الحالية، بل يدفع المستخدمين لقضاء وقت أطول في البحث عن إجابات ونصائح عبر الإنترنت، ما سيؤدي إلى توسيع سوق الإعلانات الرقمية بشكل عام.
ويبقى المشروع الأكثر طموحاً وهو مشروع أسترا، وهو وكيل تجريبي متعدد الوسائط يتميز بقدرته على الاستجابة والتفاعل مع الاستفسارات والأوامر الصوتية في الوقت الفعلي أثناء مشاهدته للعالم المادي من خلال كاميرا الهاتف المحمول أو النظارات الذكية،.
فقد أظهرت العروض التوضيحية خلال المؤتمر إمكانيات متنوعة لهذا الوكيل، بدءاً من تقديم المشورة بشأن المشكلات الميكانيكية، مروراً بطلب المنتجات عبر الهاتف، وصولاً إلى ترجمة المحادثات بين الأشخاص.