رنا فوروهار
يصوت الأمريكيون اليوم في ما قد تكون على الأرجح الانتخابات الرئاسية الأكثر أهمية في حياتنا. ولا يمكن للمرشحين أن يكونا أكثر اختلافاً، لكن التحدي الذي يواجههما سيكون هو نفسه: كيف نجدد الشعور بالهدف الوطني والديناميكية في بلد ربما بلغ ذروة قوته التنافسية؟
إن أمريكا لا تزال تتمتع بنمو قوي بعد الجائحة، لكنّ هناك رياحاً معاكسة اقتصادية وسياسية واجتماعية كبرى تنتظرنا. ولن تنتهي السياسة الحزبية مع هذه الانتخابات، بل قد تزداد سوءاً.
فالإنتاجية تتباطأ، والسكان يتقدمون في السن، وتخلق فقاعات وسائل التواصل الاجتماعي الانقسام، وتواجه البلاد تهديدات تنافسية من الصين وغيرها من الأسواق الناشئة، التي تتجمع بشكل متزايد في تحالفات إجماعية خاصة بها لمرحلة ما بعد واشنطن.
نعم، لا تزال الولايات المتحدة تتمتع ببيئة عمل ديناميكية، وجامعات عظيمة، وموارد طبيعية غنية، وقاعدة صناعية قوية نسبياً، لكن أمريكا في الوقت نفسه تعاني من البيروقراطية وانعدام الكفاءة في القطاعين العام والخاص، ونخبة لا تهتم إلا بمصالحها الذاتية.
كما أن القوى العاملة لا تمتلك الأدوات اللازمة للقرن الحادي والعشرين، وهناك بالتأكيد شعور ضعيف بالوحدة الوطنية. والأمر الأكثر أهمية هو أن أمريكا اليوم لم يعد لديها هدف مشترك، أو حتى إحساس بما قد يكون عليه الصالح العام.
لكن هل يمكن تحويل مسار السفينة؟ إن مثل هذه التحولات نادرة، لكنها ممكنة، وفقاً لتقرير صادر عن مؤسسة «راند» بعنوان «مصادر الديناميكية الوطنية المتجددة». وينظر هذا التقرير إلى مئات السنين من التاريخ لفحص كيف، أو ما إذا كانت القوى العظمى خلال الأزمات تكون قادرة على استعادة إحساسها بالهدف.
ويقدم التقرير قراءة صادمة، إذ نادراً ما تكون البلدان قادرة على عكس اتجاه الانحدار التنافسي بمجرد أن يبدأ. ولكن حفنة من البلدان كانت قادرة على توقع مثل هذا الانحدار، الذي يقاس بمجموعة متنوعة من العوامل من حصة الناتج المحلي الإجمالي العالمي، والتجارة والقوة العسكرية إلى الزعامة الدولية والتأثير الثقافي.
ومن الممكن بعد ذلك أن تعمل على تجنبه، والتوصل إلى أنظمة جديدة ومستدامة للنمو والازدهار المشترك.ومن الأمثلة التي توضح ذلك ما قامت به بريطانيا في أربعينيات القرن التاسع عشر، والولايات المتحدة بعد تسعينيات القرن التاسع عشر.
وخلال هذه الفترات، تمكنت البلدان من معالجة مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية متعددة من خلال جهود إصلاحية كبرى أدت إلى التجديد الوطني.
وعلى سبيل المثال، عانت بريطانيا الفيكتورية من التأثيرات السلبية البيئية والعمالية للتصنيع، فضلاً عن التفاوت المتزايد، والفساد السياسي، كما عانت أمريكا بعد العصر الذهبي من العديد من المشكلات ذاتها.
ومع ذلك، تمكنت الدولتان في نهاية المطاف من تمرير إصلاحات شاملة أدت إلى تحسين حقوق العمال ومعايير العمل، وزيادة فرص الحصول على التعليم، ومنح مجموعات جديدة من الناخبين حق التصويت، وما إلى ذلك، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى عقود من النمو الواسع النطاق والهدف الوطني المتجدد.
أما عن كيف جرى ذلك؟ فأولاً، تم تشخيص المشكلة قبل أن تصبح غير قابلة للحل. وكما يشير تقرير راند، فهناك أمثلة متعددة لدول فاشلة، مثل الإمبراطورية العثمانية والاتحاد السوفييتي، لم تفهم حتى مشكلاتها حتى تجذر الانحدار.
وبهذا المعنى، قد تتمتع الولايات المتحدة اليوم بميزة، فمن المفهوم على نطاق واسع على جانبي المسار، وبين جميع الطبقات الاجتماعية، أن البلاد تواجه تحديات كبرى في الداخل والخارج.
ومع ذلك، فإن التشخيص الصحيح وحده لا يكفي لمنع الانحدار، حيث تحتاج البلدان أيضاً إلى عقلية لحل المشكلات، وجهود واسعة النطاق للتعامل مع تحدياتها المختلفة. ويعكس التجديد الوطني لبريطانيا الفيكتورية وأمريكا في العصر التقدمي هذه النقطة.
ففي كلتا الحالتين، كانت الشخصيات السياسية والتجارية والناشطون والنقابات العمالية والحركات الشعبية المختلفة جزءاً من مناقشة وطنية قوية حول الإصلاح. وأزعم أن هذا العامل موجود أيضاً في الولايات المتحدة اليوم، حيث إنه على الرغم من الاستقطاب السياسي هناك نقاش غني من القاعدة إلى القمة حول كيفية تغيير البلاد.
والواقع أن بعض قدرات الدولة والحكومة العاملة تشكل أهمية بالغة لأي جهد إصلاحي (ونأمل ألا يتسبب دونالد ترامب في تدهور هذه الأمور إذا انتُخب مرة أخرى). ولكن ربما يكون العامل الأكثر أهمية في التجديد الوطني هو الدعم من جانب النخب والمواطن العادي.
ففي حالات كثيرة من التاريخ الذي استكشفه تقرير «راند»، تداخلت الديناميكية الوطنية المتجددة بشكل كبير مع صعود النخب ذات الروح العامة.
وسواء كان الأمر يتعلق بالأرستقراطيين في بريطانيا في القرن التاسع عشر الذين دعموا الإصلاحات، أو التقدميين الأمريكيين في مطلع القرن العشرين الذين أدركوا أن قدرتهم على كسب المال قد تتعرض للتهديد في بلد غير متكافئ وغير مستقر اجتماعياً، فإن دعم النخبة لجهود الإصلاح كان أمراً بالغ الأهمية في عملية التجديد الوطني.
وهنا نتساءل: هل تتمتع أمريكا بهذا النوع من الدعم اليوم؟ في هذه النقطة، أشعر بقدر كبير من التشاؤم، ففي حين تشكل مجموعات مثل المليونيرات الوطنيين وكتيبة «لا لترامب» من الحزب الجمهوري خطوة في الاتجاه الصحيح.
فإنني أسمع من عدد كبير للغاية من الناس المتميزين أنهم ببساطة لن يضعوا الصالح العام فوق معدل الضريبة الخاص بهم. والخبراء الذين يقبلون بتخفيضات ضخمة في رواتبهم من أجل العمل في القطاع العام يتعرضون للاحتقار، لذلك هناك قدر كبير من التشكك في قدرتنا على تغيير البلاد نحو الأفضل.
عموماً، فإن أمريكا تعاني من مشكلات كبيرة، لكنها لا تزال تتمتع بنقاط قوة هائلة. إن علمنا وتقنياتنا، وروح المبادرة، وقاعدة المستهلكين القوية لدينا، وروح الإصرار على الإنجاز، كلها أمور تثير حسد العالم، لكنها ليست أوسمة يمكن الارتكان إليها، لذلك فإنني أدعو أن يكون الرئيس القادم صادقاً بشأن ما هو مكسور، وأن يجمع الأمريكيين معاً لإصلاحه.
