روبرت أرمسترونغ
بدأت استطلاعات الرأي في الارتفاع، حيث ارتفع مؤشر جامعة ميتشغان من 67.9 نقطة إلى 70.1 نقطة في سبتمبر، وقفز مؤشر «كونفرانس بورد» من 99.2 نقطة إلى 108.7 نقاط، مسجلاً أكبر زيادة منذ عام 2021.
رغم ذلك لا يزال كلا المؤشرين دون المستويات المسجلة قبل جائحة فيروس كورونا، وبالنسبة إلى عديد من المراقبين فقد شكل هذا لغزاً إلى حد ما، فقد وصل عاملان أساسيان في تحديد المعنويات، وهما التضخم والتوظيف، إلى مستويات ما قبل الجائحة، إلا أن المعنويات بعيدة تماماً عن التعافي الكامل.
ويظهر مؤشر جامعة ميتشغان للمعنويات مقابل مؤشر أسعار المستهلكين انخفاض التضخم إلى أقل من متوسطه على المدى الطويل، لكن مستويات المعنويات لا تزال ضعيفة. كما تسجل البطالة مستويات شديدة الانخفاض، لكنها، وخلافاً للنمط التاريخي، لم تعكس تحسناً في المعنويات.
وقالت الأستاذة جوان هسو، المسؤولة عن استطلاع جامعة ميتشغان: «يتحدث الناس عن المستويات، إلا أن الأكثر أهمية هو أن نتحدث عن الاتجاهات. المستويات خافتة، لكن المستهلكين يعتقدون أن الأمور تتحسن كثيراً، مشيرة إلى أن المشاعر أقل بنسبة 40 % من أدنى مستوياتها في صيف 2022».
وسلطت هسو الضوء على أن المكونات الفرعية للاستطلاع تظهر أن المستهلكين يدركون تماماً أن معدل التضخم عاد إلى طبيعته، لكن المشكلة هي أنهم يعتقدون أن التغير في مستوى الأسعار في السنوات الأخيرة لا يزال يؤثر سلباً على رفاهتهم، ليظل التضخم جرحاً مفتوحاً. وينقسم استطلاع «ذا كونفرانس بورد» لمعنويات المستهلكين إلى مكونين، هما الأوضاع الراهنة والتوقعات، ويخبرنا تباينهما بمسألة مثيرة للاهتمام.
وحسب ستيفاني غيشارد، الخبيرة الاقتصادية المسؤولة عن استطلاع «ذا كونفرانس بورد»، ارتفع مؤشر الأوضاع الراهنة سريعاً بعد انتهاء الإغلاقات وقت الجائحة، ويتحدد قياسه بناء على سؤال عن أوضاع الأعمال وآخر عن سوق العمل، وأدت الاستجابات شديدة الإيجابية عن سوق العمل إلى ارتفاعه بعد انتهاء الإغلاقات.
وترى غيشارد أن الانخفاض المتزامن في مؤشر التوقعات يشير إلى أن المستهلكين كانوا على دراية بأن سوق العمل وصل إلى أفضل مستوياته، ولن يتحسن أكثر. وقالت: «كان الناس يعرفون أنهم لم يشهدوا ظروفاً بهذه الجودة من قبل، وأن ذلك لن يدوم طويلاً، أما الانخفاض الذي أبلغ عنه المستهلكون هذا العام في مؤشر الأوضاع الراهنة فهو ببساطة انخفاض من هذا المستوى المرتفع للغاية».
وهناك نقطة مهمة أخرى، وهي الفرق بين الاستطلاعين. تسجل قراءات مؤشر «ذا كونفرانس بورد» (الأوضاع الراهنة والمتوقعة) مستويات أقرب من المسجلة قبيل الجائحة مقارنة بمؤشر جامعة ميتشغان، وأرجعت غيشارد هذا إلى أن أسئلة مؤشر «ذا كونفرانس بورد» تركز على سوق العمل، في حين تولي أسئلة مؤشر جامعة ميتشغان اهتماماً أكبر بالتضخم. وعندما يطلب من المستهلكين التفكير في وظائفهم والدخل الحالي، يجيبون بأن الأمور جيدة جداً.
وما يهم المستثمرين من كل هذا هو أن المعنويات لا تسلك مساراً إيجابياً فحسب، بل ربما يكون مستواها أفضل مما قد توحي به مجرد النظرة الخاطفة على استطلاع ميتشغان، وتعد هذه النقطة الثانية سلبية قليلاً، لأنها تعني أن هناك متسعاً أقل أمام المستهلكين ليشعروا بتحسن أكبر عما يشعرونه حالياً بالفعل.
تحدثنا في مقال عن هيمنة سردية ترامب على سوق السندات، ما يفسر بعض الارتفاع الذي شهدته عوائد سندات الخزانة الأمريكية، لكننا لم نتحدث كثيراً عن تداولات الأسهم المرتبطة بترامب.
ويعد هذا منطقياً من ناحيتين، وبينما تميل الأسواق نحو توقع فوز ترامب، إلا أن استطلاعات الرأي تعكس تقارباً شديداً. ورغم المشكلات التي تشوبها، إلا أن أسواق التي تعمل بالتنبؤ قد لا تكون مقنعة جدا إلا للمتداولين، ويكمن الأمر الثاني في أنه يصعب تحليل تأثير برامج المرشحين على صناعات محددة.
من المعروف أن ترامب يتراجع عن تعهدات حملته، كما تفتقر كثير من مقترحاته إلى التفاصيل، أما كامالا هاريس فمن الأسهل التنبؤ بها، لأنها تمثل الوضع الراهن، لكن هناك أوجه عدم يقين بشأن الموظفين المحتملين في إدارتها.
لنأخذ أسهم شركات التكنولوجيا مثالاً على ذلك، فمن غير المعروف ما إن كانت هاريس ستبقي على لينا خان في رئاسة لجنة التجارة الفيدرالية، وهي صارمة فيما يتعلق بمكافحة الاحتكار والمعروفة بإثارة استياء وول ستريت ووادي السيليكون، أما ترامب فقد وجه انتقادات إلى شركات التكنولوجيا فيما سبق، ولوح بشن حملات على منصات التواصل الاجتماعي.
ومؤخراً والأكثر إثارة للإرباك إلى حد ما هو أن جيه دي فانس، مرشح ترامب لمنصب نائب الرئيس، يدعم لينا لخان. أما ترامب فقد أثنى مؤخراً على قادة «جوجل» و«أبل»، ويحصل على دعم عمالقة في قطاع التكنولوجيا، مثل إيلون ماسك.
وفي قطاع الطاقة، يعرف عن ترامب دعمه الشديد للتنقيب، ويبدو أن فوزه سيكون نبأ ساراً لشركات للمنقبين والمنتجين، لكن، وبحسب إشارة بيل ويذربورن، كبير خبراء الاقتصاد في السلع والمناخ لدى «كابيتال إكونوميكس»، فقد قفز إنتاج النفط والغاز بالفعل إلى مستويات قياسية في فترة إدارة بايدن وهاريس، لذا فإن الدعم الذي سيقدمه ترامب للقطاع سيكون هامشياً.
ورغم أنه يُنظر إلى ترامب باعتباره أقل دعماً للمركبات الكهربائية مقارنة ببايدن وهاريس، لكن الصداقة التي تجمعه بماسك قد تغير هذا الأمر.
وعلى أية حال فقد يكون تباطؤ الطلب العالمي على النفط واعتزام المملكة العربية السعودية زيادة الإنتاج أموراً أكثر أهمية للقطاع من السياسية الأمريكية، لكن المصارف والمرافق قد يكونا أمرين مختلفين كلياً، فمن المحتمل أن تكون إدارة ترامب أكثر تساهلاً فيما يتعلق بتبني المصارف لمتطلبات «بازل 3 النهائية». وإن كنت تعتقد هذا، فمن شأن العجز تحت إدارة ترامب والتعريفات الجمركية أن يؤديا إلى استمرار ارتفاع أسعار فائدة، ما سيكون داعماً لأرباح المصارف، بافتراض أن زيادات الفائدة ستكون معتدلة.
وبموجب الفرضية ذاتها قد تشهد شركات المرافق، التي تضررت من ارتفاع الأسعار، نهاية مسيرتها الأخيرة في ظل إدارة ترامب، لكن شركات المرافق العامة أيضاً يشوبها الغموض، فإذا استمر الذكاء الاصطناعي في دفع الطلب على الطاقة إلى الارتفاع، فستتلاشى حالة الهبوط التي تعيشها شركات المرافق العامة.
وباختصار، هناك القليل من التداولات تتعلق بتوجهات ترامب أو هاريس.
ويعتقد سكوت كرونرت، الخبير الاستراتيجي في الأسهم لدى «سيتي»، أن أغلبية المستثمرين سيواصلون التمسك بالتداولات المعتمدة على أسعار الفائدة. وقال: «أعتقد أن أغلبية المستثمرين كانوا يتطلعون إلى التداول القائم على ترامب وهاريس منذ بعض الوقت».
وتجدر الإشارة إلى أن النقاش بشأن الانتخابات جزء من كل حديث نخوضه مع العملاء تقريباً. ورغم النقاشات الكثيرة لكن من الصعب بيان ما إن كان العملاء يتخذون مراكز مباشرة بسبب هذا، ومن الصعب فعل الكثير بخلاف القليل من التحوط، بينما تظل التداولات المعتمدة على أسعار الفائدة قائمة.
