باتريك جينكينز
أصدر الرئيس التنفيذي الجديد لبنك إتش إس بي سي، جورج الحديري، مؤخراً إعلاناً بشأن إعادة هيكلة البنك والشروع فيما سمّاه «رحلة التبسيط». ويمكن النظر إلى هذا الإعلان من خلال قراءتين مختلفتين:
الأولى دراماتيكية: «إتش إس بي سي»، الذي يجسد التمويل العالمي، وتنتشر عملياته في 60 دولة (في المرتبة الثانية بعد سيتي جروب)، تخلى عن العولمة بقرار تقسيم نفسه إلى مجموعتين إقليميتين: «الأسواق الشرقية» و«الأسواق الغربية».
وهي خطوة تشبه إلى حد كبير اقتراح إنشاء فرع آسيوي، الذي دعا إليه المساهم الصيني البارز «بينغ آن» العام الماضي، وعارضه البنك بشدة آنذاك.
الثانية تقليدية: أي أن هذه الخطوة مجرد جهد جديد للتعامل مع حدود الأقسام، وهو أمر شائع بالنسبة لأي مدير تنفيذي جديد يسعى لخفض التكاليف، دون أن يكون لذلك تأثير يذكر على آلية عمل البنك أو أدائه. ويبدو أن المستثمرين يميلون بشكل كبير نحو تفسير: «إنه لا يوجد ما يدعو للقلق» نظراً للتجاوب المتواضع لسعر السهم. فهل هم مخطئون؟
قد تعتمد الإجابة على شخصيات مثل شي جين بينغ ودونالد ترامب (إذا أعيد انتخابه كرئيس للولايات المتحدة). وأي تصعيد إضافي في الانقسام الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، سواء من خلال سياسات العقوبات الصارمة (كما هدد ترامب)، أو الاستفزازات العسكرية (مثل غزو بكين لتايوان) - سيسلط الضوء مرة أخرى على أهمية دور بنك «إتش إس بي سي» كوسيط في استقرار أو عدم استقرار التجارة والتمويل بين الشرق والغرب.
ومنذ تأسيسه على يد رجل أسكتلندي عام 1865، ركز بنك «إتش إس بي سي» باستمرار على ربط العالم، خاصة بين الصين والغرب. ووفقاً للحديري، فإن ستة من أكبر عشرة عملاء للبنك في الصين هم في الواقع أمريكيون.
ونظرياً، قد يسهل الهيكل الجديد تنفيذ الفصل التام للمجموعة في حالة حدوث أزمة جيوسياسية. إلا أنه في الوقت نفسه، سيقضي على جزء كبير من المهمة الأساسية لبنك «إتش إس بي سي». صحيح أن البنك لديه عمليات مصرفية تجارية وتجزئة محلية قوية في أسواقه الرئيسية داخل هونغ كونغ والمملكة المتحدة، لكن التآزر الحالي الناشئ عن الروابط العالمية سيتلاشى.
ونكتفي بالحديث عن التحوط الجيوسياسي، لنتساءل ما الذي قد تحققه عملية إعادة الهيكلة في هذه الأثناء؟ يتفق المسؤولون التنفيذيون الحاليون والسابقون في بنك «إتش إس بي سي» على أن البيروقراطية التي تشتهر بها المجموعة قد تشهد تحسناً من خلال قرار الحديري بإلغاء شريحة من الإدارة على المستوى الإقليمي (على سبيل المثال، لن يكون هناك رئيس تنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط أو أوروبا).
وسيرفع الرؤساء في كل دولة تقاريرهم مباشرة إلى الإدارة في الشرق أو الغرب، مع تقليص أعضاء اللجنة التنفيذية من 18 إلى 12 عضواً.
وعلى عكس جهود إعادة الهيكلة السابقة، التي ركزت على خفض الوظائف بين المصرفيين الصغار الأقل تكلفة نسبياً، فإن هذا التعديل قادر على القضاء على شرائح كاملة من انعدام الكفاءة.
والعنصر الآخر في إعادة الهيكلة، والتبسيط المفترض، هو تغيير الأقسام العالمية الثلاثة العالمية الحالية إلى أربعة (هونغ كونغ؛ المملكة المتحدة؛ الخدمات المصرفية للشركات والمؤسسات؛ والثروة الدولية).
ويتعلق هذا التغيير جزئياً بالاعتراف رسمياً بما كان معروفاً منذ فترة طويلة: أن أعمال المجموعة المحلية في المملكة المتحدة وهونغ كونغ هي الامتيازات المهيمنة للمجموعة. لكن من المتوقع أيضاً أن تستمر عملية ترشيد العمليات تحت قيادة نويل كوين، خاصة الانسحاب من أسواق الخدمات المصرفية للأفراد ذات الربحية المنخفضة.
في الوقت نفسه، يهدف تعديل الحديري أيضاً إلى القضاء على «أجزاء كبيرة من نظام المصفوفة الإشرافية»، وفقاً لمذكرة للموظفين تم الاطلاع عليها. وحذر أحد المديرين التنفيذيين السابقين من أن ميزة كبيرة لهياكل الإشراف العالمية للبنك.
والتي تجبر البلدان والمناطق على التعاون، قد يتم فقدها. وقال المصرفي إن «ثقافة إتش إس بي سي» منعزلة للغاية، لذا سيكون من الصعب خدمة العملاء والتعاون بالطريقة التي يطلبها العديد منهم.
الأمر الأكثر خطورة هو أن ندرك أن ما يراه شخص ما تدخلاً بيروقراطياً قد يفسره آخر على أنه شكل من أشكال الحماية. وكان ستيوارت جاليفر، الذي قاد بنك «إتش إس بي سي» من عام 2011 إلى عام 2018، قد وضع قدراً كبيراً من «نظام المصفوفة الإشرافية» الذي يعمل الحديري على هدمه الآن، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن عمليات البلدان التي لا تخضع لإشراف كافٍ كانت تخرج عن نطاق السيطرة في بعض الأحيان.
ومن المعروف أن البنك اضطر لدفع غرامة بقيمة 1.9 مليار دولار عام 2012 وسط اتفاق مقاضاة مؤجل من الولايات المتحدة، بشأن تعامله مع أموال المخدرات المكسيكية وانتهاكات العقوبات الإيرانية.
ويؤكد فريق الرئيس التنفيذي أنه سيواصل دعم جوانب الإشراف العالمي في الهيكل الجديد، بما في ذلك مراقبة المخاطر الأساسية.ومع استمرار قيادة الحديري، سيتبين ما إذا كانت إعادة هيكلته جذرية أم عادية، محسوبة أم محفوفة بالمخاطر، ما لم يتدخل ترامب وشي لعرقلة محاولاته أولاً.
