العقوبات النفطية الجديدة قد تسبب مزيداً من التقويض للنفوذ الأمريكي

جيليان تيت

قبل نحو 600 عام، وبعدما فتح العثمانيون القسطنطينية، أدركوا خطورة المبالغة في توسيع إمبراطوريتهم.

وفي محاولة لمعاقبة التجار الأوروبيين الذين لم تعجبهم الأوضاع من حولهم، فرض العثمانيون رسوماً على التجار الذين يستخدمون طريق الحرير الشهير.

وقد ردّ البرتغاليون على ذلك بتطوير طرق بحرية إلى آسيا. وبالتالي، أدّى الصراع الناتج عن ذلك إلى تراجع طريق الحرير طويل الأمد؛ وجاءت محاولات مراكمة النفوذ بنتائج عكسية.

فهل يتكرر هذا الآن؟ الأمر يستحق التأمل. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يكتفي بفرض تعريفات (والكلمة، بالمصادفة، مُشتقة من اللغة العربية)، جمركية متقلبة بل يفرض أيضاً بعض العقوبات.

ومنذ أيام، وفي خضمّ جولته السريعة في الشرق الأوسط، أعلن ترامب عن عقوبات على الشركات الآسيوية التي تنقل النفط الإيراني إلى الصين. كما يدرس فرض عقوبات إضافية على روسيا، في أعقاب خطوة مماثلة من جانب أوروبا.

من المؤكد أن ترامب ليس أول رئيس أمريكي يفعل ذلك فقد تبنى أسلافه هذه الفكرة بشكل متزايد منذ عام 2001.

لكن يبدو أن البيت الأبيض متلهف بشدة لاستخدام هذه الأسلحة الآن، ليس فقط في مجال النفط، بل أيضاً في مجال التكنولوجيا الحساسة كالرقائق الإلكترونية، والتمويل (عبر استبعاد الدول من نظام سويفت للمدفوعات).

أو كما كتب إدوارد فيشمان في كتاب جديد مميز له: «في الماضي، برزت القوى العظمى وحافظت على وجودها من خلال السيطرة على نقاط الاختناق الجغرافية (المضايق) مثل مضيق البوسفور. أما القوة الأمريكية في الاقتصاد المعولم، فتعتمد على نقاط اختناق من نوع مختلف».

ومع ذلك، ثمة مفارقة هنا فمثلما ردّ البرتغاليون على السيطرة العثمانية بتطوير طرق تجارية بديلة لتقليص نفوذهم، يُهدد مُستهدفو ترامب بفعل الشيء نفسه وبسرعة أكبر.

ولنأخذ النفط كمثال. في عام 2022، وبعد اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، فرضت أمريكا وأوروبا عقوبات على صادرات النفط الروسية، على أمل الإضرار باقتصادها، تماماً كما فعلت العقوبات السابقة مع إيران.

لكن الحلفاء الغربيين خشوا أيضاً من أن يؤدي الحظر التام إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط. لذا جرّبوا حلولاً جزئية: سُمح لروسيا بالبيع إلى دول غير غربية، ولكن بأسعار أقل من السوق، أقل من 60 دولاراً للبرميل، مع فرض عقوبات على المُعارضين.

وقد ألحق ذلك بعض الضرر بروسيا بالفعل، إذ تُشير أبحاث اقتصادية لبنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس إلى أنه عندما حتم تحويل الصادرات الروسية إلى الهند، اضطرت روسيا إلى «قبول خصم قدره 32 دولاراً للبرميل على خام الأورال في مارس 2023 مُقارنةً بيناير 2022»، وذلك بسبب ارتفاع تكاليف الشحن، وقوة الهند التفاوضية المُكتسبة لكن ذلك الألم تم تخفيفه بفضل بدء روسيا أيضاً استخدام «أساطيل الظل» لنقل النفط، وهي ناقلات تتجنب الكشف عنها من خلال إيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال.

وبينما كانت هذه الأساطيل صغيرة في السابق، فقد ازداد حجمها بشكل كبير، ما أدى إلى «نظام تجارة نفط موازٍ دائم يتجاوز السياسات والضوابط المعترف بها دولياً»، وذلك وفقاً لتقرير صادر عن المعهد الملكي للخدمات المتحدة.

ويشير تحليل اقتصادي حديث استخدم نماذج التعلم الآلي إلى أنه «بين عامي 2017 و2023، نقلت السفن التجارية ما يُقدر بـ9.3 ملايين طن متري من النفط الخام شهرياً أي ما يقرب من نصف صادرات النفط الخام العالمية المنقولة بحراً». وتبلغ حصة الصين 15% من هذه التجارة.

ويحاول المسؤولون الأمريكيون الرد على ذلك. ومن هنا جاءت خطوة العقوبات الأخيرة ضد الشركات التي تتخذ من هونغ كونغ مقراً لها.

لكن، كما تُشير أغاث ديماريس، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، في كتاب لها، تؤكد التجارب السابقة إلى أن العقوبات لا تُجدي نفعاً إلا عندما تُنفذ بسرعة، ويكون هدفها واضحاً والأهم من ذلك، أن تحظى بدعم من الحلفاء.

وليس من الواضح ما إذا كان ترامب قادراً على تحقيق ذلك. ففي النهاية، حطمت سياسته الجمركية ثقة الحلفاء.

كما أن جهود الإدارة السابقة للحد من صادرات التكنولوجيا إلى الصين أتت بنتائج عكسية جزئياً، حيث تُطور بكين تقنياتها الخاصة وتستخدم أطرافاً ثالثة لتهريب الرقائق.

وينطبق الأمر نفسه على القطاع المالي فعندما أخرجت أمريكا روسيا من نظام سويفت للمدفوعات، «قللت بشكل كبير من التجارة الروسية مع الشركات في الغرب»، لكنها «لم تكن فعالة في تقليص التجارة الروسية مع الدول غير الغربية»، وفقاً لدراسة غير منشورة لخبراء اقتصاديين في بنك التسويات الدولية.

ويرجع ذلك إلى أن «الاستخدام المتزايد لعملات الشركاء في تجارة روسيا مع الدول النامية ساعد على التخفيف من آثار عقوبات سويفت».

وكما هو متوقع، فقد ضاعف ترامب جهوده إذ يهدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على الدول التي تُطوّر أنظمة دفع غير دولارية. وربما ينجح ذلك، بالنظر إلى هيمنة الدولار الحالية.

ولكن، لتأكيد وجهة نظر ديماريس، يُظهر التاريخ أنه بينما قد تكون العقوبات فعّالة في بعض الأحيان، يجب استخدامها بحزم شديد، مع الحلفاء. وحتى في هذه الحالة، قد تُسفر عن عواقب غير مقصودة.

لذا، تتجه جميع الأنظار نحو النفط الإيراني.

قد يتراجع ترامب عن تهديداته فقد انخفضت أسعار النفط يوم الأربعاء الماضي عندما قال إنه يُحرز تقدماً في المحادثات مع طهران. ولكن إن لم يحدث ذلك، فستكون تلك السفن الخفية اختباراً جيداً لمدى امتلاك فريق ترامب للسلطة التي يعتقدها.