آن سيلفين - باولا تاما
دأبت ألمانيا على تبني قواعد ميزانية صارمة داخل الاتحاد الأوروبي، بل سعت عادة إلى معاقبة الدول الأعضاء التي تحيد عن السياسات المعتمدة، لكن الوضع الآن اختلف كثيراً، فمع سعي برلين لزيادة الإنفاق، أصبحت البلاد تطالب بتخفيف هذه القيود الأوروبية.
ويحمل لارس كلينغبايل، وزير المالية الألماني الذي ينتمي للحزب الديمقراطي الاجتماعي، تفويضاً باستثمار مليارات اليوروهات في تعزيز القوات المسلحة الألمانية وتطوير بنيتها التحتية. وتندرج هذه الخطوة ضمن إطار خطة تحفيزية طموحة بقيمة تريليون يورو وضعها المستشار المحافظ، فريدريش ميرز، بهدف إنعاش وتحديث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.
ومع رفعها للقيود الوطنية على الاقتراض لإنفاق الأموال الضخمة، تنتهك برلين بذلك الحدود التي أسهمت هي نفسها في فرضها على مستوى الاتحاد الأوروبي، مع الأخذ في الاعتبار التخفيف الأخير الذي أقرته بروكسل للقواعد المالية في شأن الدفاع، بحسب محللين وتقييم داخلي في ألمانيا.
ويسلّط الانتهاك المُرتقب، وكذلك الخلافات اللاحقة التي ستنشب مع بروكسل حول التدابير التصحيحية، الضوء على مدى تسبب تغيير السياسات المالية في ألمانيا، التي تسلك مساراً غير مسبوق للإنفاق منذ إعادة توحيد البلاد، في التداعيات التي يتردد صداها في جنبات الاتحاد الأوروبي، كما يثير تساؤلات حول جدوى القواعد التي لم تعد يلتزم بها البلد الذي لطالما دافع عنها.
وقال أرمين شتاينباخ، الأستاذ لدى «إتش إي سي»: «ثمة مفارقة في أن ألمانيا التي لطالما كانت حافظة للنظام في الاتحاد الأوروبي طوال أعوام هي التي ترغب الآن في تخفيف القواعد». وتابع: «عند العودة بالذاكرة إلى أزمة الديون، ستجد أن قدراً كبيراً من التوترات في أوروبا كان ذا صلة بإصرار ألمانيا على التقيّد بالقواعد. ويُظهر ذلك أن القواعد لم تعد مناسبة للحقبة الجيوسياسية الحالية».
وبموجب ما يُعرف باسم «ميثاق الاستقرار والنمو»، يجب على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إبقاء عجز الموازنة الخاص بها في حدود 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك إبقاء مستويات الدين العام دون 60% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتبلغ نسبة الدين الألماني 62%، كما أنه من المرجح أن يؤدي تراجع العوائد الضريبية إلى اتساع العجز. ويتوقع خبراء اقتصاديون ارتفاع نسبة الدين إلى ما يقرب من 80% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأعوام المقبلة.
وتجدر الإشارة إلى أن تطبيق هذه القواعد المالية، التي صُممت في تسعينيات القرن الماضي، كان يتسم بالعشوائية، إذ انتهكت كل من باريس وبرلين هذه القواعد في العقد الأول من الألفية الحالية دون أن تُفرض عليهما أي عقوبات. وبعدما توقف تطبيق هذه القواعد طوال أربعة أعوام بسبب جائحة فيروس كورونا، عادت هذه القواعد المالية إلى صدارة المشهد بعد تشديد تطبيقها، وهو ما كان مدفوعاً إلى حد كبير بمساعي وزير المالية الألماني الأسبق، كريستيان ليندنر، الذي تسببت إطاحة المستشار السابق، أولاف شولتز، به من الحكومة في شهر نوفمبر الماضي في تمهيد الطريق أمام إجراء انتخابات مبكرة.
وبرزت تداعيات التفكير المالي الجديد الذي تنتهجه ألمانيا على الاتحاد الأوروبي في وقت مبكر من شهر مارس الماضي، وذلك عندما طلب السفير الألماني مايكل كلاوس إعفاء بلاده من الإنفاق الدفاعي. ويعد التغيير الذي تعتمده برلين مفاجأة بالنسبة للمتشددين الماليين التقليديين في الاتحاد الأوروبي، مثل هولندا، التي اعتمدت طويلاً على ألمانيا في حفظ الانضباط المالي داخل التكتل.
كما فاجأ هذا التغيير دولاً كانت تواجه تعنتاً ألمانياً طوال أعوام من المفاوضات، بحسب مصدرين كانا حاضرين لاجتماع السفراء في شهر مارس الماضي، الذي شهد تقدّم السفير الألماني مايكل كلاوس بالطلب. وأشار المسؤولون إلى تهكّم مبعوث إحدى هذه الدول على الأمر بقوله إن الطلب الألماني يجب أن يخضع لتقييم يضع بعين الاعتبار مسألة «استدامة الديون»، وهي المسألة التي لطالما تمسّكت بها برلين.
من جانبها، سارعت المفوضية الأوروبية إلى الاستجابة لمطالبات ألمانيا، إذ سيسمح ما يُطلق عليه «النص الإحلالي» للدول بإنفاق ما يصل إلى 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط على مدى 4 أعوام في نفقات متعلقة بالجانب الدفاعي، دون أن يسفر ذلك عن فرض تدابير عقابية.
وعلق دبلوماسي في الاتحاد الأوروبي على ما جرى بقوله: «نادت ألمانيا، فاستجابت بروكسل»، فقد حظيت خطوات برلين بدعم واسع النطاق، لأن القواعد التي خضعت للتعديل، بجانب حزمة القروض الدفاعية التي تبلغ 150 مليار يورو وقدمتها بروكسل في الوقت ذاته، يُنظر إليها على أنها ضرورية في مساعدة الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي على تلبية متطلبات الإنفاق الدفاعي المتزايدة التي وضعها حلف الناتو. ومنذ ذلك الحين، طالبت 16 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي بالخضوع لهذا الإعفاء، تشمل ألمانيا، وبولندا، ودول البلطيق، والدنمارك، وفنلندا.
وتبرز فرنسا من بين هذه الدول باعتبارها استثناء، لأن الزيادة الأخيرة التي طرأت على تكاليف الاقتراض أدت بباريس، التي تبلغ فيها نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 113%، ومن المُتوقع أن يصل العجز لديها هذا العام إلى 5.4%، إلى الالتزام بالانضباط المالي. وعلق مسؤول فرنسي قائلاً: «يمثّل تقليص العجز أولوية بالنسبة لنا، ولا يعود ذلك فحسب إلى الرغبة في الامتثال لميثاق الاستقرار والنمو للاتحاد الأوروبي».
ولا يحل ذلك كله مشكلات برلين، لأنه من المرجح أن تنتهك البلاد قواعد الاتحاد الأوروبي في اللحظة التي تشرع فيها بالإنفاق من صندوق البنية التحتية الخاص بها وتبلغ قيمته 500 مليار يورو، بحسب بحث أجراه مركز برويغيل البحثي.
وفي الأسابيع التي سبقت صعود ائتلاف ميرز للسلطة مع الديمقراطيين الاجتماعيين، سعى وزير المالية الألماني السابق، يورغ كوكيز، إلى توسيع نطاق الإنفاق الدفاعي المؤهل للإعفاء، وفق ما أفاد به شخصان مطلعان على هذه الجهود.
والآن، يحاول لارس كلينغبايل، المتوقع تقديمه للتوقعات بشأن الموازنة على المدى المتوسط إلى المفوضية الأوروبية قبل حلول فصل الصيف، الدفع بفكرة مفادها أن برنامج الإنفاق الألماني سيعزز النمو في أكبر اقتصاد بأوروبا.
وبخلاف النقاشات الفنية حول ما يمكن أن يشمله الإعفاء الذي يتمتع به الإنفاق الدفاعي تحت مظلته، تأمل برلين في إدراك أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبي، لجدوى إنعاش بلدها الأم لاقتصاده وسط حرب تجارية متنامية مع الولايات المتحدة وفي خضم التحديات الجيوسياسية، بحسب مصادر مطلعة على الأمر.
ولدى سؤاله عن قواعد الدَّين المعمول بها في الاتحاد الأوروبي، أجاب كلينغبايل بأن «ازدياد النمو المحتمل هو الأمر الأكثر أهمية»، منوهاً بأن الإصلاحات الهيكلية المنصوص عليها في اتفاق الائتلاف الألماني «قيد التنفيذ». وأضاف في تعليقات صرح بها في بروكسل: «أنا على ثقة شديدة بأننا سنجد حلاً مشتركاً مع المفوضية».
ومع ذلك، يرى أرمين شتاينباخ، الذي شارك في تأليف البحث الصادر عن «برويغيل» مع جيرومين زيتيلماير، أن هذه الاستراتيجية ستوفر مجالاً مالياً إضافياً، وإن كان محدوداً. وأسهب: «إن الحاجة إلى تعزيز الدفاع، والسياسة الصناعية، والبنية التحتية، تستلزم تحديثاً للقواعد»، ومع ذلك يعتقد أن أي إصلاح إضافي للقواعد قد يكون بمثابة «صندوق باندورا».
وأوضح شتاينباخ: «تواجه الكثير من دول الاتحاد الأوروبي بالفعل كماً هائلاً من الديون، ولا يمكنها تحمّل ازدياد مستويات الدين، لذا تتمثل الحاجة في إصلاحات موجهة، والمزيج الصحيح من الديون الوطنية، وتلك الخاصة بالاتحاد الأوروبي».
