إيلون ماسك وواشنطن.. نهاية علاقة مضطربة

إدوارد لوس

ما بدأ بضجيج المنشار الكهربائي، ينتهي الآن بأنينٍ خافت، فرحيل إيلون ماسك الوشيك عن واشنطن يُسدل الستار مبكراً على أحد أغرب فصول رئاسة دونالد ترامب. وبحسب معاييره الخاصة، فإن ما يُعرف بـ«وزارة كفاءة الحكومة» التي يتزعمها ماسك قد باءت بالفشل.

وبدلاً من تحقيق وفوراتٍ مزعومة تصل إلى تريليوني دولار، قد ينتهي المطاف بـ«وزارة كفاءة الحكومة» إلى تكبيد دافعي الضرائب أعباءً إضافية. وفي غضون ذلك، ألحق ماسك أيضاً ضرراً بالغاً بشركة «تسلا» التي سيعود إليها قريباً. فهل كانت هناك حكمة خفية وراء هذا الجنون؟

إننا يمكننا رصد مكسبين لماسك وسط هذا الركام. الأول هو القيمة النفسية له ولترامب من إيذاء خصومهما. وهنا يمكن أن ينطبق عليهما مقولة إن «الطلاق المكلف قد يستحق كل قرش يتم إنفاقه». فقد تراجعت الثروة الصافية لماسك بنحو 130 مليار دولار منذ تنصيب ترامب، ومع ذلك فقد نجح في بث الرعب في أروقة البيروقراطية، من وكالة الاستخبارات المركزية إلى وزارة التعليم.

أما السلبيات الناجمة عن وادي الدموع الخاص بـ «وزارة كفاءة الحكومة»، من تراجع الروح المعنوية للموظفين إلى العناوين الصحفية السلبية حول الوفورات الوهمية، فيمكن تقديمها على أنها مكاسب. فقد شن ماسك هجوماً على الدولة العميقة. ورغم أن البيروقراطية ردت عليه بدعم من القضاء، فإنها خرجت هي الأخرى مثخنة بالجراح.

المكسب الثاني لماسك قد يحتاج وقتاً أطول ليتجلى في «القبة الذهبية» التي أطلقها ترامب، والتي تهدف إلى محاكاة «القبة الحديدية» الإسرائيلية على مستوى الولايات المتحدة بأكملها، لكنها قد تصبح واحدة من أكبر أبواب النفقات الحكومية منذ مبادرة الدفاع الاستراتيجي التي أطلقها رونالد ريغان، والمعروفة باسم «حرب النجوم». وبالقياس إلى قيمة الإنفاق، قد تضاهي «قبة ترامب» مشروع «أبولو» التابع لـ «ناسا»، الذي كلف نحو 280 مليار دولار وفقاً للقيمة الحالية للدولار.

ونظراً لاعتماد هذا الدرع الصاروخي على أسراب من الأقمار الصناعية، فستكون شركة «سبيس إكس» التابعة لماسك المستفيد الأكبر. لذلك، فقد شكلت الشركة ائتلاف «القبة الذهبية» إلى جانب شركتي «بالانتير» و«أندوريل»، اللتين يديرهما أصدقاء ماسك من عمالقة التكنولوجيا.

وقد يكون تأثير ماسك الدائم على واشنطن هو تحويل جزء كبير من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين إلى إمبراطوريته. وإذا اعتُبرت هذه «هدية وداع»، فهي بلا شك هدية قيّمة. وعما إذا كانت ستُعزز الأمن القومي الأمريكي أم لا، فتلك مسألة تعود لجهاتٍ أخرى. وينطبق الأمر نفسه على ما إذا كانت عقود «القبة الذهبية» تندرج ضمن الهدر أم الاحتيال أم سوء الاستخدام. فعندما تكون هناك شركة واحدة فقط قادرة على تنفيذ الوظائف الأساسية للمشروع، تصبح فرص إجراء مناقصة مفتوحة شبه معدومة.

بموازاة ذلك، فقد ألحق ماسك ضرراً بنفسه، ولا يبدو أنه يعتزم التوقف قريباً. فما يدفع باتجاه حملات مقاطعة «تسلا» في أوروبا، وجزئياً في أمريكا أيضاً، لا يرتبط بوزارة كفاءة الحكومة، بل بالبيئة المسمومة التي يرعاها ماسك عبر منصته «إكس». وقد جاءت الحملة الإعلانية الساخرة التي أُطلقت في لندن، والتي وصفت سيارة «تسلا» بأنها «سواستي-كار» - «من الصفر إلى عام 1939 في ثلاث ثوانٍ»- جاءت كرد فعل على دعمه لليمين المتطرف، وليس على حربه على البيروقراطية.

وإذا لم يتمكن ماسك من تهدئة نزواته، فستظل سمعة «تسلا» ملوثة. أما ضغطه لجعل بام بوندي، وزيرة العدل، تصف تخريب صالة عرض تابعة لـ «تسلا» بأنه عمل إرهابي، فليست سوى دليل آخر على أن ماسك لا يزال يفتقر إلى الوعي بمشكلة صورته.

وبطريقته الخاصة، يحاول ترامب أن يُخفف من جراح كرامة ماسك، فخلال اجتماع حكومي عُقد الأسبوع الماضي، جلس ماسك في أحد أركان القاعة، وقد بدا أنه يقدر امتنان الحاضرين لتضحياته. وفي مقابلة وداع ناعمة على قناة «فوكس»، أجرتها معه لارا ترامب، زوجة نجل الرئيس، بدا متألماً من سوء فهم الجمهور له.

وقالت لارا له: «ها أنت هنا في واشنطن العاصمة إلى جانب الرئيس ترامب، تحاول في الأساس إنقاذ بلدنا ... هل قال لك أحدهم شكراً؟» فأجاب بأن كثيرين قد شكروه بالفعل، لكن البعض الآخر فسّر على نحو عدائي تحياته التي بدت نازية، على أنها تحيات نازية بالفعل: «هم فعلاً يحاولون النيل مني بكل وسيلة ممكنة».

وبالنظر إلى الوراء، يتضح أن مكانة ماسك لدى ترامب بدأت تتراجع في أوائل أبريل، خصوصاً بعدما فشلت أمواله في قلب نتيجة انتخابات لمصلحة مرشح محافظ لعضوية المحكمة العليا في ولاية ويسكونسن. فعلى الرغم من إنفاقه 22 مليون دولار في أغلى سباق قضائي في التاريخ، فاز القاضي الآخر، ما يعني استمرار الأغلبية الليبرالية في أعلى محكمة بتلك الولاية المتأرجحة.

وكانت ويسكونسن بالفعل بمثابة اختبار حاسم حدده ترامب، وأخفق فيه ماسك. لكن الاختبار الأكبر لماسك تمثّل في ما إذا كانت وزارة كفاءة الحكومة قادرة على كشف الفساد واسع النطاق. وحقيقة أن القضاء، إلى جانب الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، لا يُبديان حماسة تُذكر تجاه «جدار الفواتير» الذي يروج له ماسك، تُعد مؤشراً على أن النظام الأمريكي ما زال متماسكاً أكثر مما يُعتقد.

في كل الأحوال، لقد بلغ ماسك مفترق طرق. فقد عبّرت منصته للذكاء الاصطناعي «غروك» عن تجربته في واشنطن بالقول: «أدت تجربة وزارة كفاءة الحكومة إلى فوضى تشغيلية، وتعقيدات قانونية، ونتائج محدودة، ما طغى على أي مكاسب متواضعة. لقد كان الأمر أقرب إلى حكاية تحذيرية منه إلى انتصار». وإن وُجد منشار كهربائي يرتد على صاحبه، فلا بد أن ماسك هو من اخترعه.