التسرع بتحرير الأعمال من القيود التنظيمية.. مسار محفوف بالمخاطر

لطالما ردد الرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي مقولة (جلبرت كيث) تشيسترتون: «لا تهدم سوراً قبل أن تعرف سبب بنائه»، مشدداً على ضرورة عدم التسرع في الإصلاحات دون دراسة عواقبها، لكن من الواضح أن خطة الجمهوريين لإلغاء مجلس مراقبة حسابات الشركات العامة خير مثال على تجاهل دونالد ترامب وأنصاره لهذا المبدأ.

وبموجب المقترح المدرج ضمن مشروع قانون شامل للضرائب والإنفاق الضخم المعروض على الكونغرس، فإن مسؤوليات مجلس مراقبة حسابات الشركات العامة سيتم دمجها في هيئة الأوراق المالية والبورصات - وهي خطوة تلغي استقلالية الهيئة المسؤولة عن ضمان جودة التدقيق المحاسبي ومراقبة أداء المدققين.

وفيما تواجه هذه الخطة عقبات إجرائية قد تحول دون تمريرها، فإنها تعكس نهجاً أوسع تتبعه إدارة ترامب منذ عودتها للسلطة، يقوم على الإيمان بأن تخفيف القيود التنظيمية يعزز بالضرورة مصالح قطاع الأعمال.

وقد شمل هذا النهج الإصلاحي الجذري حتى الآن تجميد العمل بقانون مكافحة الممارسات الفاسدة في الخارج - الذي يحظر على الأمريكيين رشوة المسؤولين الأجانب للفوز بالعقود - وإضعاف مكتب حماية المستهلك المالي الذي يحمي المواطنين من الاحتيال المصرفي.

كما أصدر ترامب أمراً تنفيذياً يهدف إلى «كبح جماح» الوكالات المستقلة، بما فيها هيئة الأوراق المالية والاحتياطي الفيدرالي ولجنة التجارة الفيدرالية، وتمت إقالة مفوضيها الديمقراطيين. وتطرح هذه السياسات تساؤلاً جوهرياً: ما الغاية من الرقابة على قطاع الأعمال؟

في حالة مجلس مراقبة حسابات الشركات العامة، تبدو الإجابة جلية من خلال الظروف التي أدت لتأسيسها. ف

قبل إنشائه، كان قطاع التدقيق الأمريكي يتمتع بحرية واسعة في تنظيم شؤونه الخاصة، إلى أن جاءت فضيحة إنرون عام 2001 لتكشف عن جوانب عوار كبيرة في هذا النظام، حين انهارت شركة الطاقة العملاقة وسط فضيحة احتيال محاسبي، لتنهار معها شركة التدقيق أندرسون التي كانت تعاني من تضارب خطير في المصالح.

وتعليقاً على إصلاحات التدقيق التي أُقرت عام 2003، قال تشارلي مونجر، شريك الملياردير وارن بافيت ونائب رئيس مجلس إدارة بيركشاير هاثاواي: «لقد تدهورت المعايير المحاسبية بسرعة تفوق تدهور الأخلاق في الخدمات المصرفية الاستثمارية - وأنا أمقت الأولى أكثر من الثانية، لأنني كنت أتوقع الأفضل من المحاسبين».

ورغم المقاومة الأولية، أدركت الشركات الكبرى لاحقاً أهمية وجود جهة رقابية تحول دون التنافس المدمر على تخفيض معايير الجودة، حتى وإن تذمرت أحياناً من النشاط المفرط لرئيسة الهيئة الحالية، إيريكا ويليامز، التي عبرت منذ أيام عن «قلقها العميق» إزاء مشروع القانون المطروح.

إن من الضروري أن تُخضع الحكومات قوانينها التنظيمية لمراجعة دورية شاملة، بما يضمن التخلص من القواعد المرهقة التي لا مبرر لها.

كما أن البحث في التوازن المطلوب بين تحفيز النمو الاقتصادي وضمان السلامة المالية أمر مشروع تماماً، وهو ما تقوم به بريطانيا حالياً.

ولا تفتقر الولايات المتحدة للآليات اللازمة لتعديل مسار التنظيمات أو إصلاحها، فالعُرف السياسي المستقر يقضي بتغيير قيادات الوكالات الحكومية مع تبدل الإدارات.

ويُجسد بول أتكينز، الرئيس الجديد لهيئة الأوراق المالية، النموذج الجمهوري المألوف الذي يسعى لتحول منهجي متدرج نحو تخفيف القبضة الرقابية.

أما التغييرات الجوهرية كإلغاء مجلس مراقبة حسابات الشركات العامة، فهي تستوجب حواراً برلمانياً مستفيضاً، لا أن تُقحم كبند هامشي ضمن تشريع موسع.

وقد دقت صحيفة «فاينانشيال تايمز» ناقوس الخطر محذرة من التبعات الكارثية لرفع القيود المالية المتسرع في أمريكا، فالماضي القريب يزخر بالعِبر: فبعد كارثة إنرون التي أعقبتها فضائح مدوية للشركات الأمريكية والعالمية، اندلعت الأزمة المالية المدمرة عام 2008، والتي أفرزت - كردة فعل مباشرة - مكتب حماية المستهلك المالي.

وإذ يندفع ترامب والجمهوريون لتقويض الحصون التنظيمية التي شُيدت من دروس تلك المآسي، فإنهم قد يجيبون عملياً - ودون قصد - على السؤال المحوري: لماذا نحتاج للتنظيم؟ وذلك حين يهدمون أسس المنافسة النزيهة التي تحميها الضوابط المتوازنة من فساد الشركات وانحرافات المؤسسات المالية.