هل حان وقت تقليل حصة الأسهم الأمريكية في المحافظ الاستثمارية؟

كاتي مارتن

بدأ المستثمرون المحترفون يدركون تدريجياً حقيقة أن انكشافهم على الأصول الأمريكية قد تجاوز الحد بشكل كبير وغير مقصود، وهم الآن في حيرة من أمرهم حيال كيفية تعديل هذا الوضع.

ويتذكر المخضرمون في مجال إدارة الأموال جيداً كيف أن الأسهم الأمريكية كانت دائماً الخيار التلقائي للمستثمرين الأجانب، بينما كان يعتبر الإقبال على شراء أصول المملكة المتحدة أو أوروبا أو اليابان أو الأسواق الناشئة قراراً يحتاج إلى الكثير من الجرأة.

وقالت فابيانا فيديلي، كبيرة مسؤولي الاستثمار في الأسهم لدى «إم آند جي إنفستمنتس»: «كانت الولايات المتحدة هي الخيار الأمثل عندما تكون في حيرة حول أي الوجهات التي ستضخ فيها استثماراتك».

وتابعت: «فيما مضى لم يكن أحد ليخسر وظيفته بسبب المبالغة في تخصيص الأموال بالأصول الأمريكية»، لكن هذه الأيام قد ولت، وذلك لأسباب يعلمها القاصي والداني.

واعتمدت دول أخرى، على مر السنين، تجارب غير تقليدية فيما يتعلق بسيادة القانون والسياسة النقدية مثل تركيا، أو السياستين التجارية والمالية مثل المملكة المتحدة، وكانت عواقبها السوقية وخيمة، لكن هذه المرة تعتمد الولايات المتحدة قراراتها بصورة سريعة وهوجاء، ولسوء الحظ تشغل الولايات المتحدة حصة أكبر من المحافظ الاستثمارية للمؤسسات العادية.

ونتيجة لذلك تدور مناقشات مهمة في شركات إدارة الأصول حول ماهية المعدل «المحايد» الجديد، ترى ما هو؟ ومتى يكون الانكشاف على الأسهم الأمريكية مبالغاً فيه؟

ولا تبشر نقطة البداية بالخير لأولئك القلقين حالياً بشأن المخاطر السياسية الأمريكية.

فكبرى مؤشرات الأسهم العالمية للأسواق المتقدمة، والتي إما يستخدمها الكثير من المستثمرين باعتبارها معياراً وإما يتتبعونها مباشرة باستخدام الأدوات السلبية، تضخ نحو 70 % من الأموال في الأصول الأمريكية، بما يتماشى وحجم الشركات الأساسية.

ولا بأس في ذلك طالما ظلت الولايات المتحدة مستقرة، ويمكن التنبؤ بها، وهي تعيد إلى المستثمرين عوائد أعلى، وهو ما دأبت على فعله طوال أعوام، لكن الأمور لا تكون جيدة عندما يكون قطاع التكنولوجيا (محرك هذه العوائد الهائلة) هو أكبر مستفيد على المدى الطويل من العولمة التي يحاول الرئيس الأمريكي حالياً، وبكد، تفكيكها.

ويحقق المنافسون في الخارج قدراً من التقدم في اللحاق بالركب، كما أن الخلل الوظيفي في السياسات والتآكل المؤسسي في الولايات المتحدة لا يزيدان الطين إلا بلة.

والمثير للسخرية أنه، على مر السنين، شعر المستثمرون الأوروبيون على وجه الخصوص بالحماسة تجاه مسألة الاستثنائية الأمريكية.

وربما كان قربهم من القواعد التنظيمية الأوروبية الخانقة هو ما دفعهم إلى ضخ الاستثمارات بالبلد الواقع بالناحية المقابلة من الأطلسي، لكن المعنويات تغيرت حالياً، خاصة في أعقاب الاضطرابات الحادة وقصيرة الأمد، التي ألمّت بالأسواق في الصيف الماضي، وأشارت إلى تركز الانكشاف على الأصول الأمريكية.

وسلط المصرف الفرنسي «سوسيتيه جنرال» الضوء على ما يسميه «الالتفاف الكبير»، في إشارة إلى الابتعاد عن الأصول الأمريكية، وكيف يمكن أن يستمر الأمر في الأعوام المقبلة.

ونشهد في الوقت الراهن المراحل الأولى من حدوث هذا بالفعل.

وأشار جورج سارافيلوس من «دويتشه بنك» في مذكرة له إلى أن الأمر «لا يبدو مُبشراً بالخير» بالنسبة للولايات المتحدة.

وأضاف: «تشير الأدلة المُستقاة من التدفقات إلى تباطؤ شديد لتدفقات رؤوس الأموال الواردة إلى الولايات المتحدة في أحسن الأحوال، واستمرار سحب الاستثمارات بصورة نشطة من الأصول الأمريكية في أسوأ الأحوال».

ويرى سارافيلوس أن المستثمرين الأجانب في طور «إضراب المشترين»، مستشهداً بالتدفقات التي تشهدها الصناديق المتداولة في البورصة.

وليست هذه سوى قمة جبل الجليد حتى الآن، لكن إن كانت نسبة 70 % مبالغاً فيها لتُضَخ في الأصول الأمريكية ترى، ما هي إذن النسبة المناسبة؟

لفتت فابيانا فيديلي من «إم آند جي إنفستمنتس» إلى أن عملاءها في كل من أوروبا وآسيا يطرحون هذا السؤال بكثرة، مُبينة أنهم لا يطرحون السؤال ليعرفوا ما إذا كان عليهم إعادة تخصيص الأموال، وإنما كيف يمكن لهم فعل ذلك. وأوضحت أن المستثمرين الأمريكيين «أكثر تركيزاً على الجانب المحلي».

وقالت: من واقع خبرتي فإن الأمريكيين شديدي التفاؤل يدفعون بأن الأمور ستعود إلى طبيعتها في الأسواق عما قريب، لكنني لست على قناعة بذلك.

ومن الناحية النظرية ربما يكون من المنطقي أخذ الإسهام المختلف للبلدان في الناتج المحلي الإجمالي العالمي بعين الاعتبار.

وعلّقت فيديلي: «بالنسبة لي هذه هي نهاية المطاف»، لكن سيتطلب ذلك خفض تخصيص الأموال إلى الأصول الأمريكية إلى 25 %، أو ربما إلى 30 % عند استبعادك لقدر من الحصة الصينية، بسبب ضعف الوصول إلى تلك السوق.

واستطردت فيديلي: «من غير المُرجح أن تنخفض النسبة إلى 30 % طوال حياتي».

وقد تستقر النسبة المُخصصة من الاستثمارات المُوجّهة إلى الولايات المتحدة بالقرب من 55 %، بحسب تقديرات «سوسيتيه جنرال»، وهي نسبة قريبة من الأرباح العالمية، التي تنبع من البلاد.

وربما تكون النسبة أعلى من ذلك عند احتساب العمق الأكبر والسيولة، الذين تتمتع بهما السوق الأمريكية.

إن مثل هذا التغيير لن يحدث بين عشية وضحاها، ولا يتوقع أحداً أن يحدث هذا التغيير جراء البيع الكثيف الهائل للأصول الأمريكية. فمع تدفق أموال جديدة للاستثمار من المُرجح أن يحاول البقية حول العالم الاستئثار بنسبة أكبر كثيراً، لكن المستثمرين المؤسساتيين ليسوا بالسرعة ذاتها التي تتحرك بها صناديق التحوّط أو المستثمرين الأفراد.

والمستثمرون المؤسسيون شأنهم شأن ناقلات النفط العملاقة، إنهم بطيئو الحركة، ويتحركون بصورة منهجية، لكنهم يتسببون في موجات كبيرة.

ويُعد توجيه أنظارهم نحو أوروبا وآسيا وإلى ما هو أبعد من الولايات المتحدة المألوفة، بمثابة إعادة ترتيب هائلة للأسواق العالمية. وعموماً بالنسبة للكثيرين صارت الولايات المتحدة رهاناً ينطوي على قدر أكبر من الخطر.