روبرت أرمسترونج وآيدن رايتر
خلال بعض جلسات التداول الأخيرة، ارتفعت أسعار الأسهم والسندات معاً. ومن الناحية الاسمية، يعد هذا خبراً ساراً للمحافظ الاستثمارية المتنوعة: فكلا المكونين يحققان أرباحاً.
لكن ثمة ما يدعو للقلق في الوقت ذاته. الفائدة من امتلاك الأسهم والسندات معاً، تكمن في أن أحدهما يعوض خسائر الآخر في بعض الأحيان. ففي أوقات الإقبال على المخاطر، ترتفع الأسهم، وفي أوقات العزوف عنها، تصعد السندات.
لكن عندما يتحرك الاثنان معاً في الاتجاه الصاعد، فإن ذلك يثير القلق من احتمال تراجعهما معاً أيضاً، كما حدث في كارثة عام 2022.
وما حدث مؤخراً لا يصنع نظاماً دائماً في السوق، لكننا نشعر بشيء من الجنون هنا، إذ لماذا توجد علاقة طردية حالياً بين الأسهم والسندات؟ ما حدث هو أن الرسوم الجمركية التي أُعلن عنها في «يوم التحرير»، أضرت بالأسهم بداية، لكنها دعمت السندات، ثم ما لبثا أن تحركا بالتوازي، هبوطاً في البداية، ثم صعوداً معاً لاحقاً.
وإحدى الفرضيات هي أن هناك خطأ في تسعير أحد السوقين، الأسهم أو السندات، أي أن الأسعار لا تعكس بشكل صحيح ما يحمله المستقبل.
وربما يكون السبب هو أن المستثمرين المخاطرين، الذين يشترون عند انخفاض الأسعار، ويديرون محافظ أسهم نشطة، قد قفزوا وراء أي إشارة بشأن التراجع عن التعريفات من البيت الأبيض، متجاهلين الضرر الاقتصادي المحتمل للحرب التجارية. أو، بدلاً من ذلك، قد يجادل البعض أن مستثمري السندات البطيئين يتجاهلون، مرة أخرى، مخاطر التضخم بشكل غير حكيم.
وتتكون عوائد سندات الخزانة من عنصرين رئيسين: أسعار الفائدة الحقيقية، وتوقعات التضخم التعادلي. وخلال الارتفاع الأخير للسندات، كانت توقعات التضخم مستقرة، بينما انخفضت الأسعار الحقيقية. لكن أليست التعريفات تضخمية؟ غير أن هناك قراءة أخرى متاحة وأكثر تصالحاً.
فقد يكون الضرر الذي لحق بالأسهم والسندات لا يعود إلى الرسوم الجمركية تحديداً، بل إلى سوء السياسات الأمريكية بشكل عام، وإلى طابعها العشوائي وغير الكفء، وهو ما جسدته إعلانات «يوم التحرير».
وعندما تطلق الحكومة الأمريكية النار على قدميها، يبيع المستثمرون الأسهم، لأن النمو الاقتصادي يصبح مهدداً، ويبيعون السندات الحكومية لأنهم يعيدون النظر في الجهة التي يقرضونها أموالهم.
أما حين تتراجع الإدارة عن السياسات الخاطئة، كما بدأت تفعل في الآونة الأخيرة، فإن رد الفعل ينعكس: يتم شراء الأسهم والسندات معاً. (وهنا يظهر ما يعرف بتداول تاكو). وأترك للقارئ حرية اختيار النظرية التي يفضلها، أو اقتراح تفسيرات أخرى إن شاء.
إنه وقت صعب لامتلاك الأصول التقليدية. فالأسهم تتقلب، والآفاق ضبابية، وعوائد السندات تتذبذب بلا استقرار، أما الذهب، فرغم صعوده القوي، إلا أنه يبدو في منطقة ذروة الشراء. فهل يمكن اعتبار السلع، غير الذهب، مصدراً للاستقرار؟ أو أداة للتحوط؟ أو وسيلة للتنويع؟.
هناك فكرة شائعة في بعض الأوساط، أن السلع تشكل تحوطاً جيداً للأسهم. لكن تبين أن هذا مضلل، فرغم وجود فترات يتحرك فيها مؤشر السلع الأوسع وأسعار السلع الفردية عكس الأسهم، إلا أن هذه العلاقة غير موثوقة على الإطلاق: هناك ببساطة عدد كبير من السلع، لكل منها علاقة مختلفة بالنمو والمخاطر ومعدلات الفائدة، ما يجعل من المستحيل قيام علاقة ثابتة بين السلع والأسهم. كما أن فرض الرسوم الجمركية، وهي في جوهرها ضرائب على الواردات المادية، بما في ذلك السلع، زاد المشهد تعقيداً.
ومنذ أن فرض ترامب «رسوم المعاملة بالمثل»، ثم تراجع عنها، تفوق أداء مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» قليلاً على مؤشر السلع الأوسع نطاقاً، لكنهما سلكا المسار نفسه في معظم الوقت: يخفي المؤشر العام تحركات الأسعار الفردية، وهو منحاز بشدة نحو قطاع الطاقة.
لكن تحليل مكونات المؤشر بشكل أكثر تفصيلاً، يوفر صورة أوضح: صعود الذهب موثق جيداً. والمخاوف من تباطؤ عالمي، واحتمال تعطل التدفقات التجارية، يقف وراء الأداء المتراجع للطاقة. ويبدو أن تعريفات الولايات المتحدة على الصلب والألومنيوم، وحظر الصين للمعادن الأرضية النادرة، وكلها سيئة للنمو، تعمل على خفض أسعار المعادن الصناعية.
وينتهي هنا ما هو واضح. لكن ما يثير الدهشة أكثر، هو ثبات أسعار المنتجات الزراعية، وهو أمر تؤكده أسواق العقود الآجلة، وكذلك المؤشرات الفرعية الثلاثة للقطاع الزراعي: المنتجات اللينة كالبن والأخشاب، والحبوب مثل الصويا والقمح، والماشية.
وقد يكون هذا الثبات ناتجاً عن توقعات بتراجع المعروض، مع تراجع المزارعين عن الإنتاج، في ظل حالة عدم اليقين. غير أن السيناريو العكسي يبدو ممكناً أيضاً: الانقسامات الجيوسياسية، وتباطؤ النمو، قد يؤديان إلى كبح الطلب على المنتجات الزراعية. أسواق السلع الزراعية متنوعة، وقد أظهرت سلوكاً غريباً في آخر مرة تعرضت فيها لضغوط الرسوم الجمركية، كان ذلك عام 2018.
ولنأخذ مثال فول الصويا، وهو أكبر صادرات الولايات المتحدة الزراعية، فقبل الجولة الأولى من رسوم ترامب في 2018، كانت الصين تشتري أكثر من 60 % من صادرات فول الصويا الأمريكية.
لكن عندما فرضت الرسوم، استبدلت الصين فول الصويا الأمريكي بالبرازيلي، لتشكل وارداتها من الولايات المتحدة 18 % فقط من إجمالي الصادرات بنهاية العام نفسه. وانهارت أسعار فول الصويا الأمريكي والعالمي، في حين أضيفت علاوة سعرية على نظيره البرازيلي.
وقد شهدنا هذا الفارق السعري مجدداً، عقب «يوم التحرير»، لكنه تلاشى سريعاً. ومن الممكن أن يتكرر هذا النوع من التشوه في السوق مجدداً. وكما يردد كثيرون، فلا أحد يعلم إلى أين ستؤول سياسات الرسوم الجمركية على المستوى العالمي.
فقد تتراجع الولايات المتحدة أو الصين، أو كلاهما، عن موقفيهما. ويبدو أن حالة عدم اليقين هذه، هي ما يبقي أسعار السلع الزراعية وعائداتها مرتفعة حالياً. ويقول جو جانزن من جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين: «أعتقد أن السوق ينتظر رؤية شيء ملموس، وفي ظل البيئة الراهنة، قد تعتمد الأسواق بشكل أكبر على الأساسيات الخاصة بكل سلعة زراعية على حدة». لكننا لا نعرف بعد شكل محصول هذا العام. غير أن هذا لا ينطبق بالضرورة على باقي السلع الزراعية.
فأسعار البن والشوكولاتة وصلت إلى مستويات مرتفعة جداً، بعد مواسم زراعية سيئة، في حين دفعت المخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي، أسعار الأخشاب إلى الهبوط بشكل أكثر وضوحاً. من المحتمل أيضاً أن الأسواق أصبحت أكثر استعداداً لتجاهل تأثير الرسوم الجمركية على السلع، مقارنة بما كانت عليه عام 2018.
وكما تشير جوانا كولوسي من جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين، فقد نجحت الصين في إيجاد موردين جدد للسلع الزراعية، ومصادر الطاقة التي كانت تعتمد فيها على الولايات المتحدة (فول الصويا من الأرجنتين، والفحم من منغوليا)، وكذلك وجدت الولايات المتحدة مشترين جدداً.
كما أن الصين تجاوزت خلافها التجاري بسرعة في المرة السابقة، إذ ارتفعت صادرات فول الصويا الأمريكي إلى الصين تدريجياً بعد 2018، لتصل العام الماضي إلى 52 % من إجمالي الصادرات الأمريكية. إن المتعاملين في الأسواق، قد يختارون تجاهل هذه التوترات التجارية، انطلاقاً من افتراض أن جميع السلع ستجد في النهاية من يشتريها. لكن تبقى هناك مسألة منفصلة، تتعلق بأفضل وسيلة للاحتفاظ السلع الزراعية، إذ إن صناديق المؤشرات المتداولة والمنتجات المرتبطة بالعقود الآجلة، ليست أدوات مثالية.
ومع ذلك، ونظراً لديناميكياتها المعقدة، وتداخلها مع الرسوم الجمركية، فإن التعرض للسلع الزراعية، قد يشكل وسيلة مجدية للتنويع الحقيقي. والتنويع يحمل قيمة كبيرة في الوقت الراهن.
