مارتن وولف
تحول ما أطلق عليه دونالد ترامب «يوم التحرير» - وهو مفهوم قائم على «التعريفات الجمركية المتبادلة»، التي تستهدف العالم بأسره، وتُعد من أغرب السياسات التجارية في التاريخ الحديث - إلى حرب تجارية محددة الأهداف ضد الصين. لكن السؤال الأهم في هذا السياق، هو: هل يستطيع ترامب تحقيق النصر في هذه المعركة التجارية ضد بكين؟ وهل يمكن للولايات المتحدة، في الولاية الثانية لترامب، أن تحقق أي مكسب في صراعها الاستراتيجي المتصاعد مع الصين؟.
الإجابة القاطعة هي «لا»، ليس لأن الصين قوة عظمى لا تُقهر - فهي أبعد ما تكون عن ذلك - بل لأن واشنطن تُهدر حالياً جميع الأسس الضرورية التي تحتاجها للحفاظ على مكانتها العالمية في مواجهة قوة بحجم الصين وقدراتها وعزيمتها.
كان ترامب كتب في عام 2018: «الحروب التجارية مفيدة وسهلة الكسب»، غير أن هذه المقولة كمبدأ عام خاطئة تماماً؛ فالحروب التجارية تضر بالطرفين معاً، وقد يتم التوصل إلى اتفاق يحسن وضع الجانبين عما كانا عليه سابقاً، إلا أن الأكثر احتمالاً، هو أن أي اتفاق سيجعل أحد الطرفين في وضع أفضل على حساب الطرف الآخر، وهذا النوع الأخير من الاتفاقيات، هو، على الأرجح، ما يطمح إليه ترامب: أمريكا تنتصر والصين تخسر.
وفي الوقت الراهن، تفرض الولايات المتحدة تعريفة جمركية بنسبة 145 % على الواردات الصينية، بينما تفرض الصين تعريفة بنسبة 125 % على المنتجات الأمريكية، كما قيّدت بكين صادراتها من «المعادن النادرة» إلى واشنطن، وهذه حواجز مرتفعة للغاية، وتكاد تكون مانعة للتجارة تماماً، ما يجعل المشهد أشبه بـ «مواجهة مكسيكية» بين القوتين العظميين، لا يمكن لأي منهما الخروج منها منتصراً.
وفقاً للتحليلات المتداولة، يبدو أن الخطة الأمريكية (إذا كانت هناك خطة واضحة)، تهدف إلى «إقناع» شركائها التجاريين بفرض قيود مشددة على الواردات الصينية، مقابل اتفاق تجاري مُيسّر مع واشنطن (وربما في مجالات أخرى، كالأمن)، فهل يُعد هذا السيناريو معقولاً؟ الإجابة هي: لا.
وأحد الأسباب، هو امتلاك الصين لأوراق قوة مماثلة، فالعديد من القوى المؤثرة عالمياً، باتت تتعامل تجارياً مع الصين، أكثر من الولايات المتحدة، ومنها: أستراليا والبرازيل والهند وإندونيسيا واليابان وكوريا الجنوبية، ورغم أن السوق الأمريكية تظل وجهة تصدير أهم من الصين للعديد من الدول -جزئياً، بسبب العجز التجاري الذي يشتكي منه ترامب- إلا أن الصين تمثل سوقاً حيوية للكثيرين أيضاً، كما أنها تبقى مصدراً للواردات الأساسية التي يصعب استبدالها، إذ إن الواردات، هنا، هي الهدف الحقيقي من التجارة.
والأهم من ذلك كله، أن الولايات المتحدة أصبحت شريكاً غير موثوق به، فـ «أمريكا المعاملاتية»، تسعى دوماً لانتزاع صفقة أفضل، ما يجعل من غير المنطقي لأي دولة تتمتع بالحكمة، أن تراهن بمستقبلها على شريك كهذا، خصوصاً ضد الصين. وقد مثلت معاملة ترامب لكندا، لحظة فارقة في هذا السياق، ولذلك، رد الكنديون بإعادة انتخاب الليبراليين، فهل سيستوعب ترامب الدرس؟ لكن متى كان بإمكان النمر تغيير بقعه، فهذه طبيعته النمطية، وهو الرجل الذي اختاره الناخبون الأمريكيون.
إن القطيعة مع الصين، تنطوي على مخاطر جمة، فبكين لن تنسى، ويصعب أن تغفر. كذلك، تتفوق الصين في معادلة الصمود الاقتصادي، إذ تؤمن بقدرة مواطنيها على تحمل الألم المادي بصورة أكبر من نظرائهم الأمريكيين، كما أن الحرب التجارية تمثل لبكين صدمة في جانب الطلب بالأساس، بينما تواجه واشنطن صدمة في جانب العرض، ومن المعروف اقتصادياً، أن تعويض تراجع الطلب، أيسر بكثير من معالجة نقص الإمدادات.
باختصار، لن تظفر واشنطن بالصفقات التي تنشدها ظاهرياً، ولن تحقق النصر المنشود على الصين، ومع اتضاح هذا الواقع للبيت الأبيض، سيتراجع ترامب - ولو جزئياً - عن حروبه التجارية، رافعاً شعار النصر الوهمي، ليتجه نحو معركة أخرى. غير أن تراجعه المحتمل، لا يُخفي حقيقة أن أمريكا تخوض منافسة شرسة مع الصين على النفوذ العالمي، وللمفارقة، فإن أمريكا التي يتمنى كثيرون نجاحها في هذا المضمار، تختلف جذرياً عن أمريكا التي نراها اليوم. علاوة على ذلك، فإن «أمريكا ترامب» لن تحقق نجاحاً في هذه المنافسة الاستراتيجية.
ورغم أن عدد سكانها يمثل فقط ربع عدد سكان الصين، إلا أن اقتصادها بنفس الحجم تقريباً، وذلك لأنه أكثر إنتاجية بكثير. كما أن تأثيرها الثقافي والفكري والسياسي، لا يزال يفوق نظيره الصيني بمراحل.
لقد نجحت الولايات المتحدة، عبر عقود، في بناء شبكة من التحالفات القوية مع دول تشاطرها الرؤية والقيم، ما عزز هذا النفوذ. باختصار، ورثت الولايات المتحدة وتمتعت بمجموعة هائلة من الأصول الاستراتيجية والمميزات التنافسية. لكن، دعونا نتأمل ما يحدث حالياً في ظل إدارة ترامب: نشهد محاولات لتحويل النظام القضائي وسيادة القانون إلى أداة للانتقام. وهناك تفكيك منهجي لمؤسسات الدولة الفيدرالية الأمريكية، واستخفاف بالتشريعات والقوانين التي تشكل أساس الحكم الشرعي في أي دولة ديمقراطية.
كذلك، تتكرر الهجمات على البحث العلمي، واستقلالية الجامعات الأمريكية العريقة. وهناك تشكيك مستمر في الإحصاءات والبيانات الرسمية الموثوقة، وعداء صريح تجاه المهاجرين (ليس فقط غير النظاميين)، رغم أنهم مثّلوا على مر التاريخ ركيزة أساسية للنجاح والتفوق الأمريكي في كل جيل، مع إنكار واضح للأدلة العلمية في مجالات الطب والمناخ، ونسف حتى لأبسط المبادئ والنظريات المثبتة في اقتصاديات التجارة الدولية. يضاف إلى ذلك، انحياز لفلاديمير بوتين على فولوديمير زيلينسكي رئيس أوكرانيا، واستخفاف علني بشبكة التحالفات والمؤسسات الدولية التي شكلت أساس النظام العالمي الذي بنته وقادته الولايات المتحدة لعقود.
صحيح أن النظام الاقتصادي العالمي بحاجة للتطوير. وتبدو الحجة الداعمة لتحول الصين نحو نموذج النمو المدفوع بالاستهلاك المحلي قوية وواضحة. لكن من الجلي أيضاً، أن الولايات المتحدة ذاتها تحتاج إلى إصلاحات جوهرية في العديد من المجالات.
وما يجري حالياً، لا يمثل إصلاحاً حقيقياً، بل تقويض منهجي للأسس والركائز التي بُني عليها النجاح الأمريكي عبر عقود، سواء على المستوى الداخلي، أو في علاقات أمريكا الخارجية. وسيكون من العسير إصلاح الأضرار الناجمة عن هذه السياسات لاحقاً. كما سيكون من المستحيل على المجتمع الدولي والقوى العالمية، أن تنسى الجهة المسؤولة عن هذا التدهور، والعوامل التي أدت إليه.
إن الولايات المتحدة، التي تحاول استبدال سيادة القانون ومبادئ الدستور، بنظام من الرأسمالية القائمة على المحسوبية والفساد، لن تتفوق على الصين. وأمريكا «المعاملاتية»، التي تقيس كل شيء بمنطق الربح والخسارة، لن تنال الدعم الحقيقي من حلفائها التقليديين. والعالم اليوم يحتاج فعلياً إلى أمريكا قادرة على المنافسة الإيجابية مع الصين في بعض المجالات، والتعاون معها في مجالات أخرى. لكن أمريكا الحالية، للأسف الشديد، ستفشل في أداء أي من هذين الدورين المحوريين.
