جيسون فورمان
أستاذ بجامعة هارفارد والرئيس الأسبق لمجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض
تحدث الحرب التجارية الأمريكية اضطرابات واسعة في الاقتصاد العالمي، وتمتد آثارها لتشمل الإحصاءات المستخدمة لرصد هذا الاقتصاد، لذا يصبح استخلاص المؤشرات المهمة من بين البيانات المتضاربة ضرورياً، وتزداد هذه الأهمية مع تفاقم تداعيات التغيرات في الرسوم الجمركية.
ومع إصدار بيانات الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي هذا الأسبوع من المهم بدرجة كبيرة تجاهل القراءات الضعيفة، وهذا هو ما أفعله في الأغلب، حيث يجب التركيز بدلاً من ذلك على ما يعرف بـ«الناتج المحلي الإجمالي الأساسي»، ويُقصد بذلك القراءات التي تعكس إنفاق المستهلكين والاستثمارات الخاصة.
ويدرك خبراء الاقتصاد والمتعاملين في السوق جيداً أهمية التركيز على التضخم الأساسي، الذي يستثني الفئات المتقلبة مثل الغذاء والطاقة، وهم لا يفعلون ذلك، لأنهم لا يهتمون بالأعباء التي تتكبدها الأسر، بسبب أسعار الغذاء والطاقة، وإنما لأن التضخم الأساسي من الناحية الإحصائية يعد مؤشراً «أفضل كثيراً» لمستقبل توقعات التضخم مقارنة بقراءات التضخم ذاته. وبمعنى آخر فإن التضخم الأساسي هو المهم، وحينما يرتفع التضخم الأساسي يميل التضخم إلى تسجيل مستويات عالية مستقبلاً، أما التغيرات التي تطرأ على أسعار الغذاء والطاقة فهي «ضوضاء تميل إلى أن تعكس اتجاهها».
وعندما تصدر بيانات الناتج المحلي الإجمالي تكون النسب الرئيسية هي التي تستحوذ على نصيب الأسد من الاهتمام، فعلى سبيل المثال، وخلال النصف الأول من عام 2022 أثيرت الكثير من النقاشات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تمر بركود بعد إعلان انكماش الناتج المحلي الإجمالي لربعين على التوالي، إذ انخفض بنسبة 1.3 % على أساس سنوي، ومن المهم الإشارة هنا إلى تعديل بيانات أحد هذين الربعين السلبيين بالرفع في مراجعة نشرت بعام 2024.
إنني لم يساورني القلق حينها بشأن الركود، لأني كنت أركز على مقياس بعينه شهد نمواً خلال الربعين، وبلغ معدل نموه في المتوسط 1.5 % على أساس سنوي في البيانات الأصلية، ويُطلق على هذا المقياس اسماً معقداً هو «المبيعات النهائية للمشترين المحليين من القطاع الخاص»، وربما يكون تعقيد الاسم هو السبب وراء عدم حصوله على اهتمام كبير، وقد أضاف مكتب التحليلات الاقتصادية، الذي يصدر بيانات الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، هذا المقياس باعتباره ملاحظة مرفقة ببيانات الناتج المحلي الإجمالي خاصة بعدما بدأت التأكيد على أهمية هذا المقياس استناداً إلى البحوث، التي أجريتها حينما ترأست مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض إبان إدارة باراك أوباما.
وتعد «المبيعات النهائية للمشترين المحليين من القطاع الخاص» مقياس نمو الاستهلاك الشخصي والاستثمارات الثابتة، بما في ذلك الاستثمارات التجارية والسكنية. وتميل هذه الاستثمارات لأن تكون مصدراً لقراءات مستقرة بمرور الوقت، شأنها في ذلك شأن مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي. وبالنسبة لهذا المقياس فإنه يستثني صافي الصادرات، والمخزونات، والإنفاق الحكومي.
ويعد هذا المقياس مهماً بدرجة كبيرة في الوقت الراهن، لأن الحرب التجارية تتسبب في تأثير مرحلي هائل، خاصة على صافي الصادرات والمخزونات، سواء في الواقع أو في صعوبة قياس التحركات غير المُعتادة.
وكان مما دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين في الربع الأول زيادة في الصادرات في محاولة لاستباق التعريفات الجمركية، لكن من المؤكد أنه تأثير مؤقت، وربما يحمل المستقبل في جعبته نمواً أبطأ. وفي المقابل فإن التحول من السلع المصنوعة محلياً إلى الواردات قد يثبط، وبصورة مصطنعة، نمو الناتج المحلي الأمريكي في الربع الأول بطريقة تعكس تحولاً أكبر مقارنة بما تشي به الأساسيات القائمة.
وتشي تقديرات نمو الربع الأول في الولايات المتحدة بضعف وربما حتى انكماش. وفي الوقت الراهن تشير توقعات «إس آند بي غلوبال» إلى انكماش الاقتصاد بمعدل سنوي قدره 0.2 %، لكن تقديرات المؤسسة بشأن الناتج المحلي الإجمالي الأساسي تشي بنموه بنسبة 2.4 %، وهو دليل أكثر موثوقية على قوة اقتصاد البلاد بالربع الأول من العام الجاري، رغم أن التعريفات الجمركية من شأنها أن تسفر عن ضعف شديد مستقبلاً.
وتضطر المصارف المركزية حالياً إلى اتخاذ قرارات صعبة بشأن ما إذا كانت أكثر قلقاً حيال التضخم أم البطالة. سيكون من الإيجابي لو كان بمقدور المصارف المركزية اتخاذ هذه القرارات الصعبة مع مراعاة المستقبل، غير أن هذا مستحيل من الناحية العملية، في ضوء عدم اليقين السياسي.
ونتيجة لذلك يجب عليهم الاعتماد على البيانات السابقة أكثر من أي وقت مضى، وبفعل ذلك سيكون من الأفضل لنا جميعاً التركيز على الصورة الاقتصادية الأساسية، ولعل التدقيق في الناتج المحلي الإجمالي الأساسي هو البداية في هذا الصدد.
