مجلس التحرير لـ«فاينانشال تايمز»
يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتحرك سريعاً فيما يتعلق بإصلاحات النمو للاستفادة من ازدياد اهتمام المستثمرين
عاشت أسواق رأس المال الأوروبية لمدة طويلة في ظل نظيرتها الأمريكية، لكن هذا العام بدأ المستثمرون فجأة ينظرون للقارة بعين أكثر تفاؤلاً، بعد أن استحوذت التطورات السياسية على اهتمامهم، فخطط الاتحاد الأوروبي لزيادة الإنفاق الدفاعي، وإصلاح ألمانيا لنظام كبح الديون، يعدان باستثمارات بمليارات اليورو في أكبر اقتصاد بالتكتل، إضافة إلى مبادرات أوسع نطاقاً لتعزيز التنافسية الإقليمية بناء على توصيات ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، وكلها عوامل ولدت جواً من التفاؤل على المشهد.
وأدى البرنامج السياسي، الذي لا يمكن التنبؤ به للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جعل مخصصات المحافظ الاستثمارية تميل أكثر نحو الاستثمار في أوروبا، وأسفر تجدد هجماته على جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، في استمرار خسائر مؤشر «إس آند بي 500» هذا الأسبوع. وبطبيعة الحال ورغم أن تعريفات الرئيس الأمريكي الجمركية ستضر المصدرين الأوروبيين، إلا أن القارة ما زالت تتفوق على الولايات المتحدة في العديد من فئات الأصول هذا العام.
وفي ضوء بقعة الضوء النادرة، التي يتمتع بها حالياً بين الممولين، يحظى الاتحاد الأوروبي بفرصة لاجتذاب مزيد من رؤوس الأموال، وتعزيز مكانته الاقتصادية العالمية، لكنه إذا أخفق في التحرك سريعاً وعلى نحو أكثر جرأة في إزالة العوائق أمام الاستثمار والنمو الاقتصادي، فإنه بذلك يخاطر بتفويت الفرصة، والمستثمرون بطبعهم متقلبو المزاج، ويمكن للثقة أن تختفي بالسرعة نفسها التي عادت بها.
ومع خفض المركزي الأوروبي خفض أسعار الفائدة إلى 2.25 % يوم الخميس الماضي حذر البنك من أن تعريفات ترامب الجمركية وعدم اليقين الاقتصادي العالمي عوامل تخاطر بإضعاف اقتصاد منطقة اليورو المتباطئ بالفعل، كما خيب اتفاق الائتلاف الحكومي في ألمانيا، الذي كشف عنه المستشار التالي، فريدريش ميرز، توقعات خبراء الاقتصاد، بسبب غياب الإصلاحات الهيكلية الطموحة.
ما الذي يجب على الاتحاد الأوروبي فعله؟ أولاً، يجب عليه تنفيذ تدابير لتعزيز مرونة الإنفاق الحكومي وتمويل الإنفاق الدفاعي، على النحو المبين في خطة «الاستعداد 2030» الشهر الماضي، ثم مع الإنفاق يجب على صانعي السياسات ضمان توجيه أموال وفيرة نحو الابتكار والبحث العسكري، حيث يمكن أن يؤدي إلى فوائد اقتصادية أوسع تتجاوز القطاع العسكري نفسه، ويجب أن يظل خيار إصدار الديون المشتركة، لزيادة القدرة الاستثمارية في الأمن وما وراءه، مطروحاً على الطاولة أيضاً.
ثانياً، بينما ستكون مفاوضات الاتحاد الأوروبي مع البيت الأبيض بشأن خطط ترامب للتعريفات «المتبادلة» ذات أولوية، يجب على التكتل ألا يغفل الجائزة الاقتصادية الأوسع، وهي ترسيخ نفسه بشكل أعمق في نظام التجارة العالمي، خاصة أن مناطق أخرى تسعى إلى التعويض عن الحمائية الأمريكية، وهذا يعني التصديق السريع على اتفاقية الاتحاد مع ميركوسور، وتسريع المناقشات التجارية مع الهند والمملكة المتحدة، والحفاظ على قنوات مفتوحة مع بكين، لضمان عدم إغراق أسواق القارة بمنتجاتها.
ثالثاً، أصبح التقدم في تفعيل خطة دراجي لزيادة النمو المحتمل أكثر إلحاحاً الآن، بالنظر إلى للصدمة التجارية الأمريكية، وتعتبر مبادرات مواءمة القواعد واللوائح أساسية، ليتسنى لأسواق رأس المال والبنوك والشركات جني فوائد الحجم. وللتوضيح كشف صندوق النقد الدولي أن الحواجز التجارية داخل الاتحاد الأوروبي يمكن أن تعادل متوسط تعريفة جمركية بنسبة 44 % على السلع، و110 % على الخدمات.
وهناك اتفاق متزايد بين صانعي السياسات بشأن ما يجب على الاتحاد الأوروبي القيام به لتعزيز آفاقه الاقتصادية والأمنية، وغالباً ما كانت الصعوبة تكمن في حشد الإجماع السياسي، والدافع لتنفيذ خطط التكتل. وسيظل حشد 27 دولة عضواً تحدياً قائماً، لكن أجندة ترامب، التي أدت إلى اضطرابات أسواق التجارة والمال، يجب أن تدفع العقول للتفكير بجدية نظراً للتهديد المزدوج والفرصة، اللتين تمثلهما لجميع دول الاتحاد الأوروبي.
وها هي رؤوس الأموال تعود من جديد إلى أوروبا، ويسجل اليورو أعلى مستوياته أمام الدولار منذ ثلاثة أعوام، واجتذبت صناديق الأسهم الإقليمية أعلى تدفقات واردة منذ نحو عقد خلال أربعة أسابيع حتى أوائل شهر مارس، لذلك يجب على صانعي السياسة الأوروبيين منح المستثمرين أسباباً ليظلوا مهتمين.
