ستيوارت كيرك
منذ فترة، سألني رئيس التحرير سؤاله المعتاد: «ماذا ستكتب في المرة المقبلة؟» أجبته بأنني أعتزم الاحتفاء بارتفاع قيمة محفظتي الاستثمارية بمائة ألف دولار منذ مقالي الأول «المخاطرة بأموالك الخاصة» في نوفمبر 2022. لكن ما إن تفوهت بهذه الكلمات، حتى ندمت عليها، وسارعت محذراً من أننا بلغنا قمة سوق الأسهم، وأن الوقت قد حان للبيع.
يدرك كل من تولى إدارة الأموال يوماً أن الغرور هو السم الفتاك للأداء الاستثماري المتميز، فليس من باب المصادفة أن 90% من الصناديق الأمريكية النشطة المتحمسة قد عجزت عن مجاراة أداء المؤشرات القياسية على مدى العقدين الماضيين.
لكن ما هي قراءتي الحالية للأسواق؟ هل ينبغي على المستثمرين انتهاز فرص التراجع للشراء، أم اللجوء إلى الملاذات الآمنة، أم التزام الترقب والانتظار؟ أم ربما تبني مزيج متناغم من هذه الاستراتيجيات المتباينة وفقاً لكل فئة استثمارية على حدة؟
لنبدأ بعالم السندات باعتبارها الأصول الاستثمارية الأوسع انتشاراً حول العالم - ﻻ سيما سندات الخزانة الأمريكية، فنحن إذا تأملنا السندات طويلة الأجل، كتلك التي تستحق بعد عشر سنوات، نجدها قد استعادت تقريباً المستويات السعرية ذاتها التي كانت عليها قبل عام.
بيد أن هذه الصورة المستقرة ظاهرياً تخفي تقلبات حادة في العوائد، عكست ارتباك المستثمرين في تقييم وجهة الاقتصاد الأمريكي بين الانزلاق نحو الركود أو التحليق نحو النمو القوي، وهو ارتباك لا يزال مستمراً حتى اللحظة.
ويضاف إلى هذا المشهد المتذبذب إعلان الرئيس الأمريكي ووزير خزانته صراحة تفضيلهما لانخفاض أسعار الفائدة طويلة الأجل، سعياً نحو تحفيز عجلة الاقتصاد المحلي من جهة، وتخفيف عبء خدمة الدين الحكومي المتضخم من جهة أخرى.
ويبدو أن أحداً لا يملك أدنى فكرة عن وجهة التضخم الأمريكي - ذلك المؤثر الرئيسي الآخر في أسعار السندات، في وقت يعاني فيه المتداولون من التقلبات الحادة، فقد شهدت عوائد السندات العشرية قفزات تجاوزت 150 نقطة أساس صعوداً وهبوطاً منذ نوفمبر الماضي.
ولا يشغلني القلق بشأن استثماراتي في الأسهم - إذ سبق أن أوضحت مراراً لماذا لا تؤثر أسعار الفائدة عليها - لكنني أتوجس من مصير صندوق سندات الخزانة قصيرة الأجل الذي أمتلكه، فإذا سعى سكوت بيسنت لخفض أسعار الفائدة طويلة الأجل عبر تقليص المعروض من تلك السندات، قد يضطر لإصدار المزيد من السندات قصيرة الأجل، مما سيدفع عوائدها للارتفاع (وأسعارها للانخفاض بالتبعية).
لذلك، سأراقب هذه التطورات عن كثب، مع قناعتي المستمرة بأن صندوق سندات الخزانة يوفر حماية نسبية مقارنة بالأسهم، إضافة إلى ميزتي التعرض للدولار الأمريكي والعائد المغري البالغ 4.4 %. وفي المقابل، لا أحتفظ بأي ديون سيادية لدول أخرى (ما لم يستولِ دونالد ترامب على كندا)، ولا بسندات شركات، ولم أطلع على أي مستجدات هذا العام تدفعني لتغيير هذا التوجه.
يتضح من البيان المالي حول الربيع أن الوضع المالي للمملكة المتحدة في حالة يرثى لها، بينما تحتاج أوروبا لزيادة إنفاقها العسكري بشكل كبير (فقد تضاعفت عوائد السندات الألمانية العشرية خمس مرات خلال ثلاث سنوات)، في حين تمثل ديون الأسواق الناشئة مقامرة حقيقية.
وبالانتقال إلى عالم الأسهم، فقد قرأت أخيراً تقريراً يكشف أن صافي تدفقات المستثمرين الأفراد نحو صناديق الأسهم الأمريكية بلغ 70 مليار دولار منذ يناير الماضي - وهو مستوى يتماشى تماماً مع العام السابق، ما يعني أن المستثمرين الأفراد، بعيداً عن التخوف من موجة البيع الحالية، يواصلون ضخ أموالهم في السوق كالمعتاد.
غير أن هذه الظاهرة لا تعني بالضرورة تدفق أموال جديدة إلى السوق، فهذا أمر مستحيل من الناحية الهيكلية، إذ لابد من وجود طرف بائع مقابل هؤلاء المشترين، ما يعني أن الخبر نفسه كان يمكن صياغته بشكل مختلف: «المؤسسات الاستثمارية تتخلص من أسهمها الأمريكية».
وقد تلقيت العديد من الرسائل قبل أسبوعين تستفسر عما إذا كنت متحمساً للشراء بعد تراجع مؤشر «إس أند بي 500» بنحو عُشر قيمته من أعلى مستوياته، وبالتأكيد يعد مضاعف سعر السهم إلى الربحية البالغ 27 مرة أكثر جاذبية من 30 مرة الذي شهدناه في فبراير، لكن يجب التذكير بأن المتوسط التاريخي على مدار مائة عام يبلغ تقريباً نصف هذه القيمة.
إن هذا لا يمثل في رأيي فرصة ذهبية للشراء، فصناديق الأسهم الآسيوية واليابانية والبريطانية التي أمتلكها لم تشهد تراجعات حادة كنظيرتها الأمريكية، وهو ما توقعته مسبقاً، رغم أنها لم تنجُ تماماً من تسجيل بعض الخسائر.
وقد دفعني هذا للتفكير مجدداً في ذلك التناقض الذي أشرت إليه سابقاً في تكوين محفظتي الاستثمارية، فكيف يمكنني تجنب أكبر سوق للأسهم وأكثرها تأثيراً عالمياً، بينما أحتفظ بأسهم في أسواق أخرى ستتراجع هي الأخرى إذا ثبتت صحة توقعاتي؟ بعد إعادة النظر، أجدني أتمنى أن يواصل مؤشر «إس أند بي 500» ارتداده من مستويات منتصف مارس المنخفضة، وأن يقفز كالراقص الشهير رودولف نورييف ويظل محلقاً حتى أحسم قراري بشأن الانسحاب الكامل من مسرح الأسهم.
أشعر فعلاً أن الأسهم الأمريكية تعاني في ظل إدارة دونالد ترامب، ليس من الناحية التشغيلية - فالشركات ستجد دوماً سبيلها لتعظيم الأرباح - بل من ناحية المضاعفات التي يرغب المستثمرون في دفعها مقابل تلك الأرباح.
والتقييمات في جوهرها لعبة ثقة، وينطبق هذا بشكل مضاعف على الأسهم مرتفعة الثمن كأسهم شركات التكنولوجيا العملاقة التي تستحوذ على حصة ضخمة من السوق الأمريكي، فحتى مجرد عودة التوقعات إلى مستوياتها الطبيعية كفيلة بتحطيم العوائد. وينطبق هذا على الأسهم في جميع الأسواق - بغض النظر عن مدى رخصها نسبياً.
