سايمون كوبر
كتب شارل ديغول ذات مرة: «لا يمكن لفرنسا أن تكون فرنسا دون المجد»، لكن البلاد استطاعت بطريقة ما أن تظل موجودة طوال عقود من دونه. ولم يتبقَ إلا زخارف المجد بينما كانت تتسرب القوة من بين أصابعها. ويعمل المسؤولون الفرنسيون من داخل قصور سابقة أو منازل فخمة وتبدو العروض العسكرية في يوم الباستيل وكأنها تليق بدولة عظمى.
كما أن باريس لطالما روجت لخيال يذهب إلى أن الدور الأمريكي سينتهي يوماً ما، وعندها ستعود الأمة العظيمة إلى سابق أمجادها.
ومن المثير للعجب أن دونالد ترامب هو من يعمل على تحقيق هذه الخيالات، فالآن، تطمح فرنسا إلى قيادة ما قد تسميه «الغرب الصغير»، فهل بمقدورها فعل ذلك؟
يفخر الفرنسيون بأنفسهم لأنهم كانوا على صواب طوال الوقت بشأن «الاستقلالية الاستراتيجية»، ويقصد بذلك عقيدتهم التي كانت تذهب إلى وجوب عدم اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة في أمنها. ومع ذلك، فقد اضطروا إلى إعادة النظر في شيء يحظى بالأهمية ذاتها، وهو الصداقة مع فلاديمير بوتين.
ويعود التعامل مع موسكو باعتبارها قوة موازية لواشنطن إلى عهد شارل ديغول. وبالرغم من عدم إعجابه بالاتحاد السوفييتي إلا أنه تودد للكرملين مع ذلك. ودأبت الاستخبارات الفرنسية على الاعتقاد بأن بوتين لن يُقدم على الحرب مع أوكرانيا، حتى قبل أيام من فعله ذلك في عام 2022. وفي يوم اندلاع الحرب، هاتف فولوديمير زيلينسكي، ماكرون، وطلب إليه أن يخبر صديقه بـ «التوقف».
الآن، تأمل فرنسا في قيادة الغرب المناهض لبوتين، لكن لا يمكنها فعل ذلك بالقوة العسكرية. وفي هذا الصدد، يرى غويوم لاغان من معهد الدراسات السياسية في باريس أنه: «بالنسبة لفرنسا، دائماً ما تكون هناك فجوة بين الطموح والإمكانات». وتحتل فرنسا المرتبة التاسعة في قائمة الدول الأكثر إنفاقاً على القوة العسكرية، وتخصص 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق على الدفاع، أو 1.6% باستثناء المعاشات التقاعدية للعسكريين.
وبالرغم من فخرها بأنها الجيش الأوروبي الوحيد الذي خاض معارك في الآونة الأخيرة، إلا أن غالبية هذه المعارك كانت في الساحل الأفريقي، حتى وإن كانت فرنسا اضطرت إلى الانسحاب من هناك في عام 2023، مثلما أخفقت في غالبية حروبها منذ عام 1940.
وتتمتع فرنسا بجيش متكامل ومن المفترض بأنه تام الاستعداد بما يملكه من عتاد لأي نوع من الحروب، وإن كان بصورة مصغرة. وعلى سبيل المثال، يمكن للجيش الفرنسي حالياً حشد آلاف الجنود ضد روسيا، لكن لا يكفي هذا لإخافة بوتين. وبالنسبة للبحرية الفرنسية، وهي المُموّلة جزئياً لدعم صناعة الدفاع في البلاد، فلن تكون ذات قيمة في حرب برية أوروبية. وتتحدث فرنسا عن تقديم «مظلتها النووية» لجيرانها، لكنها لا يوجد لديها إلا حوالي 300 رأس نووي مقارنة بامتلاك روسيا 5580 رأساً نووياً. كما ترغب فرنسا في زيادة الإنفاق على الدفاع بمقدار الضِعف تقريباً، إلا أنها غارقة في أزمة تتعلق بالموازنة.
إن فرنسا تدرك جيداً أنها لا يمكنها أن تكون يد الغرب الضاربة، لكنها تطمح إلى أن تكون عقله ولسانه. وتعد فرنسا الدولة نفسها ذات الثقافة الاستراتيجية الأكثر تقدماً في أوروبا، ورئيسها بإمكانه التحدث بالإنجليزية، خلافاً لبعض أسلافه، مع أي زعيم أجنبي تقريباً. ويقول مسؤولون فرنسيون إن ماكرون يتحدث إلى ترامب مرة كل يومين تقريباً. ويعرب المسؤولون عن حنقهم عندما تتباهى المملكة المتحدة، وهي المنافسة الوحيدة لفرنسا على لقب زعامة الغرب الصغير، لمحادثاتها مع كييف. ولا يعتقد هؤلاء المسؤولون في إمكانية وجود أي منازعة على هذا اللقب.
لكن لا يمكن لفرنسا أن تقود دون أن يتبعها الآخرون. ولا يمكن لدول مثل بولندا أن تنتظر أعواماً لمعرفة ما إن كانت ستتمكن أوروبا من حشد دفاعاتها الخاصة. إنهم بحاجة إلى الدفاع الآن، ويأملون في أن يواصل ترامب تقديم ذلك. وتتذكر دول أوروبا الشرقية عندما قررت فرنسا الانسحاب من قيادة حلف الناتو العسكرية المتكاملة في عام 1966 وحتى عام 2009.
وأخبرني عقيد فرنسي بأن فرنسا ليست على يقين بعد مما إن كان القتال من أجل أوكرانيا يصب في مصلحتها. يخشى المسؤولون الفرنسيون بصورة أكبر من عودة داعش إلى الظهور في سوريا، أو تداعيات التطورات في غزة، في بلد يقطنه أكبر عدد من المسلمين واليهود في أوروبا.
وقد يكون الرئيس الفرنسي التالي أقل اهتماماً بأوكرانيا. ويمكن لمارين لوبان، زعيم اليمين المتطرف، أن تخلف ماكرون في انتخابات عام 2027. وخاضت لوبان انتخابات الرئاسة في عام 2022 وكانت تدعو إلى علاقات أكثر قرباً بين الناتو وروسيا، بل وتعهدت بالانسحاب من القيادة العسكرية لحلف الناتو، بيد أن حزبها يعلن في الوقت الراهن أن هذا لن يكون قائماً في أوقات الحرب. ولم يتمكن حزبها من سداد قرض بدا وكأن الكرملين هو الذي رتب له في عام 2023.
لا يمكنك قيادة الغرب إن كنت قد تتخلى عنه. والولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي يمكن أن تشهد تغييراً مفاجئاً في وجهات النظر فيما يتعلق ببوتين. فلعلنا نتذكر الآن أن فرنسا ذاتها فعلت ذلك من قبل.
