أوروبا تستقطب استثمارات مديري الأصول الخضراء من الولايات المتحدة

سايمون موندي

وجد مديرو الأصول أنفسهم فجأة في موقف حرج، بين ضغوط متناقضة من الولايات المتحدة وأوروبا، ففي الجانب الأمريكي، واجهوا تهديدات بسحب استثمارات بمليارات الدولارات من قبل مسؤولين جمهوريين، يرون هؤلاء المديرين مبالغين في دعم العمل المناخي والعدالة الاجتماعية.

ونتيجة لذلك، وتحت ضغط تهديدات قانونية أخرى، تخلى بعض كبار مديري الأصول عن تحالفات المناخ، وعارضوا قرارات المساهمين المؤيدة للبيئة، لكن هذا التوجه الجديد عرّضهم لخطر فقدان عقود استثمارية من صناديق التقاعد الأوروبية المهتمة بالاستدامة.

ولم يظهر هذا التغير الأخير إلا في الآونة الأخيرة، لكنه قد يسفر عن مشكلات أكبر، وذلك وفقاً للبحث الجديد الذي أجرته «برنسيبلز ريسبونسيبل إنفستمنت»، وهي هيئة للمستثمرين المؤسساتيين، مدعومة من الأمم المتحدة، وتسلّط هذه الدراسة الضوء على انقسام هائل حيال الاستدامة بين ملّاك الأصول، والذين عادة ما يكونون من صناديق المعاشات التقاعدية وشركات التأمين والمؤسسات، وبين شركات إدارة الأصول التي تعهد إليها الأطراف السابقة غالبية استثماراتها.

ويميل ملّاك الأصول إلى تبنّي نهج أكثر نشاطية، مقارنة بمديري الأصول في مجموعة واسعة من المسائل الاجتماعية وذات الصلة بالبيئة، بحسب التقرير الذي تعرّض بالتحليل لاستجابات أكثر من 3,000 من الموقعين على مبادئ الاستثمار المسؤول في استطلاع للرأي.

ويستخدم 58 % من ملّاك الأصول تحليل «السيناريو المناخي»، لتقييم المخاطر التي تواجه محافظهم الاستثمارية، في مقابل 29 % من مديري الأصول.

وأظهر التقرير رغبة 41 % من ملّاك الأصول في الحديث علناً بشأن أوجه القلق البيئية والاجتماعية، وتلك ذات الصلة بالحوكمة في استثماراتهم في السندات، في مقابل 21 % من مديري الأصول.

لكن هذا كله ليس مفاجئاً، عند الوضع في الاعتبار الواجبات المختلفة والحوافز التي تواجه هذين النوعين من المؤسسات، إذ تلتزم صناديق المعاشات التقاعدية بأن تضع في اعتبارها اهتمامات المستفيدين منها لعقود في المستقبل.

أما مديرو الأصول الذين يخشون تدفقات خارجة مهولة من أعمالهم، فلديهم دافع قوي، ليمنحوا الأولوية للأداء على المدى القريب.

وكشفت دراسة سابقة، أُجريت في نوفمبر من عام 2023، عن مزيد من التفاصيل، وفحصت الدراسة تصويتات المساهمين ذات الصلة بالمناخ في الشركات المُدرجة، وقارنت بين قرارات التصويت لدى كبار ملّاك الأصول في المملكة المتحدة، و12 من كبار مديري الأصول العالميين.

وتوصلت الدراسة إلى ازدياد عدم التوافق بين المجموعتين على نحو مطرد، بين عامي 2021 و2023، مع دعم ملّاك الأصول بصورة أكبر لمشروعات القرارات المراعية للبيئة، مقارنة بمديري الأصول الذين خضعوا للدراسة. كما خَلصَت الدراسة إلى وجود تباين آخذ في الازدياد بين مديري الأصول أنفسهم.

ففي حين انخفض دعم مديري الأصول في الولايات المتحدة لمشروعات القرارات هذه، إلا أن معدل دعم أقرانهم الأوروبيين لها ظل أقوى بكثير.

وقد يبدأ مديرو الأصول الأوروبيون في جني بعض فوائد توجهاتهم. وتُعد «أموندي»، أكبر داعمي مشروعات القرارات المراعية للبيئة اتساقاً، وتتخذ من باريس مقراً لها، وهي أكبر مديرة للأصول في أوروبا، وتدير أصولاً بتريليوني يورو (ما يعادل 2.2 تريليون دولار).

وكانت «أموندي» هي المستفيد الأبرز من القرار الأخير الذي اتخذه «صندوق الشعب» التقاعدي في المملكة المتحدة، وهو صندوق تقاعد يقدم خدماته لمُختلف أرباب الأعمال، بسحب استثمارات بقيمة 28 مليار جنيه إسترليني (ما يعادل 36 مليار دولار)، من شركة ستيت ستريت، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، بعدما أجرى مراجعة لسياسة الاستثمار المسؤول في الشركة.

وأفاد مارك كوندرون رئيس مجلس أمناء صندوق الشعب، بأن «أموندي» تسلّمت 20 مليار إسترليني من هذه الأموال لتديرها، مع التركيز على «الاستدامة»، والإدارة النشطة، وخلق القيمة طويلة المدى.

ويُعد فقدان تفويض الاستثمار هذا أكبر بكثير من أي أموال سحبتها السلطات المحافظة في الولايات المتحدة من أي من شركات إدارة الأصول، بسبب دعمها السابق للعمل المناخي.

ويعادل هذا قرابة 4 مرات حجم المحفظة البالغة 8.5 مليارات دولار، التي سحبها مجلس التعليم في ولاية تكساس من «بلاك روك» قبل عام، بعد اتهامه شركة إدارة الأصول بتقييد الاستثمار في شركات الوقود الأحفوري.

كما أن الخطوة التي اتخذها صندوق الشعب، ليست بمعزل عن اتجاه أوسع، فقد أنهى صندوق أكاديميكر بنشن الدنماركي، تفويض استثمار بقيمة 470 مليون دولار، ودام 20 عاماً من «ستيت ستريت»، وأعلن الصندوق في بيان، أن الخطوة «أعقبت مراجعة لمعايير البيئة والاجتماع والحوكمة».

وخلال شهر فبراير الماضي، ناشدت مجموعة مُكوّنة في الأساس من ملّاك أصول في المملكة المتحدة، يسيطرون على أصول بقيمة 1.5 تريليون دولار، مديري الأصول، العمل على تحسين انخراطهم في المسائل المناخية، وإلا سيواجهون خطر سحب تفويضات الاستثمار.

ويراجع صندوق «بي إم إي» الهولندي حالياً، تفويض استثمار بقيمة 5 مليارات يورو مع «بلاك روك»، بسبب مخاوف بشأن نهج شركة إدارة الأصول الأمريكية، في ما يتعلق بالتغير المناخي.

وقال دان سبارغارين الخبير الاستراتيجي في الاستثمار المسؤول لدى «بي إم إي»: «نتوقع من كافة مديري أصولنا، أن يتماشوا مع تفضيلات الاستدامة الأساسية التي ينتهجها صندوقنا». وأضاف: «كما أننا نشهد انسحاب العديد من مديرينا من هذه المبادئ، وهو ما يشكّل مصدراً للقلق لنا».

فهل سيحفز كل ذلك مديري الأصول الأمريكيين على إعادة النظر في حماسهم العام السابق بشأن الاستدامة؟ يبدو ذلك غير مُرجح إلى حد كبير، في ظل البيئة السياسية الحالية.

لكن الأرجح هو ما يصفه توم غوسلينغ، من كلية لندن للاقتصاد، بأن ذلك «ترتيب طال انتظاره للسوق»، مع نقل ملّاك الأصول لأموالهم إلى مديرين يشاركونهم الإيمان بهذه المسائل، أو يتبنون وجهات نظر مقاربة له.

وربما يكون انسحاب أبرز شركات إدارة الأصول الأمريكية من دعم معايير البيئة والاجتماع والحوكمة، قد خفف من خسارة الأعمال من الحكومات المحافظة للولايات، غير أن الأعمال لم تتوقف، وهو ما ظهر جلياً في شهر ديسمبر الماضي، عندما صوّت مسؤولو ولاية لويزيانا، على سحب الأموال من «بلاك روك»، بسبب «سياساتها المؤسسية المراعية لثقافة الووك».

ومع ذلك، فقد تسبب الأمر في نشوء خطر ينطوي على خسائر أكبر للعقود مع ملّاك الأصول المراعين للبيئة، والأمر ليس قاصراً فقط على أوروبا، إذ تواصل أكبر صناديق المعاشات التقاعدية الأمريكية، مثل تلك في ولايتي كاليفورنيا ونيويورك، ولديها أصول تُقدّر بأكثر من تريليون دولار، التأكيد على أهمية المسائل المناخية بالنسبة لها. وبذلك، يتضح أن الفرص أمام شركات مثل «أموندي» تبدو حقيقية.