التعريفات الجمركية الأمريكية بين الترقب والغموض

روبرت أرمسترونغ

أظهر مسح لبنك أوف أمريكا شمل مديري الصناديق العالميين، وهو مسح يحظى بمتابعة دقيقة، تسجيل أكبر انخفاض على الإطلاق في تخصيصات الأسهم الأمريكية، بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في الاحتفاظ بالسيولة النقدية.

ويشير مايكل هارنيت، المُعدّ الرئيسي للمسح، إلى أن هذه المعطيات قد تعتبر إشارة مهمة، شريطة أن تتبعها مؤشرات أخرى لتراجع ثقة المستثمرين، مثل التوجه الكبير نحو سندات الخزانة. ويؤكد هارنيت على أن تصحيح السوق لن يتوقف حتى يتبدد تفاؤل آخر المتفائلين.

وعلى صعيد البيانات الاقتصادية، تجاوز كل من عدد المنازل الجديدة قيد الإنشاء والإنتاج الصناعي التوقعات خلال شهر فبراير، فهل يعني ذلك مزيداً من الزخم الصعودي؟ بالطبع لا. فقد تجاهل خبراء الاقتصاد في «وول ستريت» التقريرين، معتبرين أنهما مجرد انتعاش أخير قبل أن يتبدى تأثير حالة عدم اليقين بشأن التعريفات الجمركية وسوق العمل على أرقام الشهر المقبل.

وقد تبنت سوق الأسهم هذا التقييم المتشائم، حيث شهدت شركات التكنولوجيا الكبرى، على وجه الخصوص، فترة سيئة أخرى. ويعود التراجع الذي تشهده الأسواق الأمريكية منذ شهر، في الأساس، إلى المخاوف المتعلقة بالسياسات الاقتصادية لإدارة ترامب. وهذا الأمر يحظى بإجماع واسع. لكن هناك خلافاً حول مدى ارتباط المشكلة بالتأثير المحتمل لهذه السياسات على أرباح الشركات، مقارنة بحالة الغموض التام حول طبيعة هذه السياسات نفسها.

وخلال الأيام القليلة الماضية، أخبرني عدد من العاملين في «وول ستريت» أن عملاءهم يأملون في أن تتضح الصورة بحلول الثاني من أبريل، وهو اليوم الذي حددته الإدارة الأمريكية للإعلان عن تعريفات جمركية متبادلة على بعض الدول، وأخرى قطاعية تستهدف صناعات استراتيجية.

لكن هل سنحصل على وضوح في السياسات خلال الأسبوعين المقبلين؟ أم أن الفوضى ستزداد تعقيداً؟ على المدى القصير، لا يوجد عامل أكثر أهمية في تحديد اتجاهات السوق.

وقد عبر تييري ويزمان من شركة «ماكواري» عن آمال المستثمرين في مذكرة أصدرها منذ أيام حيث كتب:

ومع تولي الممثل التجاري الأمريكي الجديد، جيميسون غرير، منصبه، تتجدد الآمال في أن تشهد سياسات وبرامج الإدارة الأمريكية المتعلقة بالرسوم الجمركية على الواردات مزيداً من التنظيم والترشيد، إلى جانب دفع الإدارة نحو المزيد من المفاوضات مع الشركاء التجاريين. ونعتقد بأن «ذروة الفوضى» المتعلقة بسياسة الرسوم الجمركية قد ولت.

ووفقاً لتير ويزمان، من المتوقع أن يضع الممثل التجاري الأمريكي الجديد صيغة تحدد معدلاً موحداً للتعريفات لكل دولة، استناداً إلى متوسط معدلات تعريفاتها الجمركية، إضافة إلى معايير أخرى تراها إدارة ترامب تمييزية. كما أن هذه المعدلات لن تكون ثابتة، بل قد يتم تعديلها بناءً على مدى تعاون الدولة المعنية في خفض تعريفاتها.

وهو يرى أن بعض الغموض قد يظل قائماً بعد الثاني من أبريل. لكنه يؤمن بأن الإدارة قد تتجه نحو اعتماد نهج أكثر انتظاماً وقابلية للتنبؤ في سياساتها التجارية قريباً، لأن الفوضى الحالية تُلحق ضرراً حقيقياً بالاقتصاد، وهو أمر تدركه الإدارة جيداً، وفقاً لما يؤكده ويزمان.

وتعزز التقارير الإخبارية الأخيرة هذا الاتجاه. فقد ذكرت «بلومبرغ» أن غرير يسعى إلى فرض قدر من النظام على التعريفات الجمركية الواسعة التي من المتوقع تطبيقها الشهر المقبل. وقالت الوكالة: «على مدى الشهرين الماضيين من فوضى التعريفات... كان غرير بعيداً إلى حد كبير عن المشهد... لكن تحت قيادته، أعاد مكتب الممثل التجاري الأمريكي بعض عناصر عملية صنع القرار التقليدية التي كانت غائبة في التعريفات السابقة المفروضة على كندا والمكسيك والصين والمعادن، وذلك عبر مطالبة الشركات والجهات المعنية الأخرى بتقديم تعليقاتها وملاحظاتها بشأن الرسوم الجمركية المتبادلة».

الأهم من ذلك، أن التقرير أشار إلى أن عدداً من المسؤولين منهم وزير الخزانة سكوت بيسنت «أعربوا عن ضرورة المضي قدماً في تخفيضات الضرائب وتخفيف القيود التنظيمية التي يتوق إليها المستثمرون». ويبدو هذا مشجعاً لمحبي الاستقرار والتوقعات الواضحة والأرباح.

كما أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن البيت الأبيض يقترب تدريجياً من وضع خطة - أو على الأقل مفهوم لخطة - بشأن التعريفات الجمركية المتبادلة. وهناك ميل لصالح «نهج فردي» أكثر مرونة، بدلاً من الدخول في تعقيدات وضع قواعد خاصة بكل دولة ومنتج على حدة. وتدور المناقشات حالياً حول كيفية تحويل التعريفات الجمركية والعوائق غير الجمركية والدعم الصناعي والرقابة على العملات إلى معدل تعريفة موحد لكل شريك تجاري للولايات المتحدة.

في الوقت ذاته، هناك خطط لفرض رسوم إضافية بنسبة 25% على السيارات وأشباه الموصلات والأدوية. وقد ظهر سكوت بيسنت في مقابلة تلفزيونية بهدف طمأنة الأسواق. وأكد أن كل دولة ستخضع لتعريفة جمركية فردية، مشدداً على استعداد الولايات المتحدة للتفاوض: فإذا أزالت الدول الشريكة العوائق التجارية، ستنخفض الرسوم الجمركية، أما بالنسبة للقطاعات الاستراتيجية، فستظل الرسوم قائمة.

كما أوضح أن هناك 15 دولة تعاني معها الولايات المتحدة من عجز تجاري كبير، وهي محور اهتمام الإدارة الأمريكية. لكن رغم كل هذه المحاولات، لا يزال هناك الكثير من الغموض. فقد تجنب بيسنت تقديم توضيح دقيق بشأن القطاعات التي تعتبرها الإدارة الأمريكية استراتيجية إلى جانب الصلب والألمنيوم. فمثلاً، إذا كانت الأدوية ستُدرج في القائمة فسيؤثر ذلك بشكل كبير على الأسواق، إذ يُفترض على نطاق واسع استثناؤها كما حدث في الماضي.

وعندما سُئل بيسنت عما إذا كانت التعريفات الجمركية المتبادلة ستُفرض إضافة إلى التعريفات المفروضة على القطاعات الاستراتيجية، تهرب من الإجابة، مشيراً إلى أن الممثل التجاري الأمريكي ووزارة التجارة هما الجهتان المسؤولتان عن هذا القرار.

وهذا يقودنا إلى سؤالين جوهريين: أولاً هل تستطيع الإدارة الأمريكية توحيد موقفها خلف خطة واحدة، سواء كان ذلك بقيادة جيميسون غرير أو شخص آخر؟

وثانياً: كيف سترد الدول الأخرى؟ وما هو المزيج المتوقع بين التفاوض والانتقام التجاري؟

قد تستغرق الإجابة عن هذه الأسئلة وقتاً، لكن المستثمرين بحاجة إلى خارطة طريق واضحة من الجانب الأمريكي منذ البداية. أما فيما يخص الثاني من أبريل، فلا يمكننا التنبؤ بما سيحدث، لكن من المؤكد أنه سيكون يوماً بالغ الأهمية.