الأسواق تتوقع المزيد من خفض الفائدة وسط قلق من تباطؤ النمو

روبرت ارمسترونج - ايدن رايتر

الأسواق متقلبة وغير مستقرة، ومن السهل ربط ذلك بالتعريفات الجمركية الأمريكية المفروضة حديثاً على كندا والمكسيك والصين، إلا أن ما نراه في الأسواق يتسق بشكل أكبر مع وجود خوف عام بشأن النمو، من مجرد رد فعل على عمليات بيع محددة برسوم جمركية أكبر.

وهذا يبدو منطقياً، فالرسوم الجمركية جاءت كمفاجأة غير سارة، وأضافت إلى مجموعة المؤشرات الاقتصادية السلبية الموجودة مسبقاً، بدلاً من أن تكون سبباً فيها.

كان هذا بالتأكيد صحيحاً بالنسبة لعملية بيع الأسهم يوم الاثنين الماضي، التي بدت وكأنها يوم كلاسيكي لتجنب المخاطر، مع ارتفاع الأسهم الدفاعية وانخفاض الأسهم الدورية، وكان هذا صحيحاً بالتأكيد خلال تقلبات يوم الثلاثاء.

وكان أكبر الخاسرين في ذلك اليوم البنوك الأمريكية، حيث انخفض مؤشر «بي كي دبليو» للبنوك بنسبة 4.5 %، لماذا كانت البنوك الأكثر تضرراً؟ لأن أغلبها يستفيد من النمو الاقتصادي المحلي في الإقراض.

إلا أن هوامش أرباحها سيتضاءل بسبب انخفاض أسعار الفائدة، التي قد يجلبها النمو البطيء، واللافت أن الأسواق أصبحت تتوقع بالفعل انخفاض أسعار الفائدة.

حيث أضافت سوق العقود المستقبلية خلال الشهر الماضي وحده خفضين كاملين إلى توقعاتها لأسعار الفائدة عام 2025، وهناك دليل إضافي على أن مخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي وليس التعريفات الجمركية هي المحرك الأساسي للأسواق حيث يشهد الدولار انخفاضاً مستمراً منذ أكثر من شهر، وقد سجل هبوطاً حاداً خلال الساعات الماضية.

ويتفق مؤيدو ومعارضو التعريفات الجمركية على أنها تدعم عادة قيمة الدولار، إذ تقلل الطلب على الواردات، وبالتالي الحاجة للعملات الأجنبية، لكن لماذا ينخفض الدولار الآن؟

السبب الرئيسي هو توقعات تباطؤ النمو، ما يؤدي لخفض أسعار الفائدة، خاصة الحقيقية، بعد احتساب التضخم، وتقليص الفارق بينها وبين نظيراتها في أوروبا ومناطق أخرى.

وعندما يحدث ذلك تتعدل أسعار العملات وفقاً لهذه الفروقات الجديدة، كما أن مؤشرات التوسع المالي في ألمانيا تعزز هذا الاتجاه، في الوقت الذي كان فيه معظم المتداولين يراهنون مؤخراً على ارتفاع الدولار.

كذلك قد تلعب التدفقات المالية العالمية دوراً في إضعاف الدولار، حيث لم تعد الأصول الأمريكية عالية المخاطر تبدو كرهان مضمون، وستكون بيانات تدفقات الصناديق الاستثمارية المقبلة حاسمة لفهم هذا التأثير.

من المهم الإشارة إلى أن تأثيرات النمو الاقتصادي والتعريفات الجمركية ليست متعارضة بالضرورة، فالتعريفات الجمركية، على المدى القصير تؤثر سلباً على معدلات النمو، لكن الوضع الحالي في الأسواق يشير إلى عوامل أكثر تعقيداً وتشابكاً تتجاوز مجرد تأثير التعريفات.

وشهد المقياس المعياري لمعنويات المستثمرين انهياراً ملحوظاً خلال الشهر الماضي، فقد وصلت آخر قراءة لمؤشر الثيران والدببة (وهو الفرق بين النسبة المئوية للمستجيبين المتفائلين بشأن توجهات الأسواق خلال الأشهر الستة المقبلة، والنسبة المئوية للمتشائمين)، من الأسبوع الأخير من فبراير، إلى مستوى سلبي قدره سالب41، وهو مستوى منخفض للغاية لم يسجل سوى مرتين فقط خلال العشرين عاماً الماضية.

ووفقاً للتفسير التقليدي تعتبر هذه القراءة المنخفضة للغاية علامة إيجابية، إذ يتبنى المحللون المخضرمون مقولة «كن جشعاً عندما يخاف الآخرون» أو المثل الشهير «الأسهم تتسلق جدار القلق».

وبالنظر إلى التاريخ فإن هذا التفسير له ما يبرره، فبالنسبة للمستثمر طويل الأجل، كانت المستويات المنخفضة المماثلة، التي سجلها هذا الاستطلاع في السابق، وتحديداً في عامي 2009 و2022، أوقاتاً مثالية لشراء الأسهم واستثمارها لفترات طويلة.

قد يكون الأمر كذلك هذه المرة أيضاً، لكن هناك نقطة تستحق التوقف عندها، فالأسهم لم تتراجع سوى بنسبة 10 % عن أعلى مستوياتها التاريخية، التي سجلتها الشهر الماضي.

بينما في المرات السابقة التي شهدت انهياراً في ثقة المستثمرين، كانت أسعار الأسهم قد تراجعت بوتيرة أشد بكثير، بمعنى آخر قد يكون أمام الأسهم مزيد من الهبوط إذا استمرت حالة التشاؤم السائدة.

ويمكن توضيح هذه الفكرة أيضاً من خلال التقييمات؛ ففي فترات التراجع السابقة لمعنويات السوق كانت نسب السعر إلى الأرباح وصلت إلى مستويات متدنية للغاية، ورغم الانخفاض الأخير في التقييمات فإنها لا تزال مرتفعة مقارنة بالمعدلات التاريخية.

من الصعب تقييم التأثير الاقتصادي لوزارة الكفاءة الحكومية، وهي مبادرة يقودها إيلون ماسك لتقليص حجم الحكومة الفيدرالية، فكما هو الحال مع كل ما يتعلق به وبالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تسود الفوضى، حيث يبدو أن الإنجازات قد جرى تضخيمها، في حين أن معظم القرارات الصادرة عنها تخضع للمراجعة القانونية وقد يتم إلغاؤها.

نظرياً، قد تؤدي «دوج» إلى خفض هائل في الإنفاق الحكومي، ما قد يؤثر سلباً على الناتج المحلي الإجمالي، لكن هناك من يقول إن تراجع الإنفاق الحكومي سيتم تعويضه بزيادة في الاستثمارات وتمكين القطاع الخاص، الذي سيتحرر من أعباء الرقابة الحكومية المفرطة.

في الوقت نفسه من المحتمل أن يواجه أي مسعى لتخفيض الإنفاق العام بشكل كبير معارضة قوية من الكونجرس، غير أن المخاطر الأكثر إلحاحاً تتعلق بالتأثير المحتمل لهذه المبادرة على سوق العمل، فالحكومة الفيدرالية توظف حالياً نحو 3 ملايين مدني.

إضافة إلى عدد أكبر من المتعاقدين مع الجهات الحكومية (تختلف التقديرات، لكن هناك قاعدة تقريبية معقولة تشير إلى أن نسبة المتعاقدين إلى الموظفين الفيدراليين تبلغ 1 إلى 2 وفقاً لتورستن سلوك في مؤسسة أبولو الاستثمارية)، وقد لوحظ أن معدل نمو التوظيف في الحكومة الفيدرالية قد تسارع منذ عام 2023.

وخلال الـ18 شهراً الماضية أضافت الحكومة الفيدرالية حوالي 3,000 موظف شهرياً — وهي زيادة تعتبر كبيرة وفقاً للمعدلات التاريخية للتوظيف الحكومي، لكنها تظل تغييراً محدوداً مقارنة بمتوسط 186,000 وظيفة تمت إضافتها شهرياً إلى الاقتصاد الأمريكي ككل خلال العام الماضي.

ووفقاً لتحليل سكاندا أمارناث من مؤسسة «إمبلوي أمريكا» المختصة في أبحاث سوق العمل فإن الحكومة الفيدرالية لم تكن يوماً محركاً رئيسياً لنمو التوظيف في الاقتصاد، بل كانت في كثير من الفترات عاملاً معوقاً:

«خلال تجارب سابقة لتقليص حجم الحكومة، مثل فترة تخفيضات الميزانية في أوائل العشرية الثانية من القرن الحالي، كانت الحكومة الفيدرالية تؤثر سلباً على معدلات التوظيف بمقدار يتراوح بين - 4,000 إلى - 10,000 وظيفة شهرياً.

وبناء على هذه التجربة، قد نشهد الآن انخفاضاً صافياً قدره 13,000 وظيفة في معدل نمو كشوف الرواتب، وذلك في ظل أسوأ السيناريوهات المحتملة».

في شهر فبراير الماضي أضاف الاقتصاد الأمريكي 143,000 وظيفة فقط - وهو رقم أدنى بكثير مما يراه البعض الحد الأدنى للحفاظ على الاستقرار.

وإذا استمرت التخفيضات في الوظائف الحكومية بنفس الوتيرة، التي شهدناها في أوائل عام 2010، قد يؤدي ذلك إلى إضعاف سوق العمل الذي يظهر بالفعل علامات على التباطؤ.

كما أن تقليص عدد الموظفين الفيدراليين بقيادة «دوج» من المرجح أن يتزامن مع تخفيضات في قطاعات أخرى تعتمد على التمويل الفيدرالي، مثل حكومات الولايات والحكومات المحلية، والمنظمات غير الربحية، والتعليم العالي، والخدمات المهنية التي تضم عادة متعاقدين حكوميين.