في عام مليء بالاضطرابات.. التنويع يؤتي ثماره

بيتر أوبنهايم

مع تصاعد التوترات التجارية بين جانبي الأطلسي، قد يبدو أن الوقت غير ملائم للمستثمرين لتنويع محافظهم بعيداً عن الولايات المتحدة باتجاه أوروبا.

فقد أعلن الرئيس دونالد ترامب عزمه فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 25 % على السلع الأوروبية، ما يثير مخاوف من تأثير ذلك في اقتصادات المنطقة وشركاتها.

رغم ذلك، ظهر بوضوح هذا العام أن ردود فعل الأسواق تجاه مثل هذه الاضطرابات قد تكون مختلفة تماماً عما يتوقعه المستثمرون، ففي عالم أكثر غموضاً، يظل التنويع عنصراً أكثر أهمية من أي وقت.

في نهاية العام الماضي، كان مصطلح «الاستثنائية الأمريكية» منتشراً في كل مكان، ولسبب وجيه، فقد تفوق سوق الأسهم الأمريكي على بقية الأسواق العالمية بشكل مستمر لأكثر من 15 عاماً.

ولم يكن هذا التفوق أمراً غير منطقي، بل كان انعكاساً لأسس اقتصادية أقوى، فمنذ الأزمة المالية، حققت الولايات المتحدة نمواً في الأرباح يفوق بكثير ما حققته الأسواق الأخرى منذ الأزمة المالية.

ويعود نجاح قطاع الشركات في الولايات المتحدة بشكل كبير إلى الربحية الاستثنائية التي حققها قطاع التكنولوجيا، الذي أصبح يرتكز بشكل متزايد على عدد قليل من الشركات العملاقة.

وبنهاية العام الماضي، شكلت أكبر 5 شركات تكنولوجية بالولايات المتحدة نحو 30 % من القيمة الإجمالية لمؤشر ستاندرد آند بورز 500، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

هذه الأنماط المتكررة من النجاح المستمر كافأت المستثمرين الذين ركزوا استثماراتهم في سوق الأسهم الأمريكي، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا وعدد محدود من الشركات الكبرى؛ نتيجة لذلك فقد التنويع، الذي وصفه الحائز جائزة نوبل، هاري ماركويتز، بأنه «الغداء المجاني الوحيد» في الاستثمار، فعاليته في تعزيز العوائد المعدلة حسب المخاطر.

لكن هذا النجاح المتكرر دفع تقييمات الشركات الرابحة إلى مستويات قياسية مقارنة ببقية السوق، ويمكن أن تظل فجوات التقييم كبيرة ومستمرة لفترات طويلة، فعادة لا تبدأ مستويات التقييم القياسية في الانخفاض إلا مع حدوث تحول جذري في المؤشرات الأساسية، وهنا تلعب التوقعات دوراً كبيراً.

ما يهم حقاً في أداء الأسواق المالية ليس مسار النتائج المستقبلية بقدر ما تكون النتيجة مقارنة بالتوقعات. تعد أوروبا وألمانيا مثالاً جيداً على ذلك. لم يكن الضعف النسبي للاقتصاد الأوروبي مقارنة بالولايات المتحدة خلال العقد الماضي محل شك، فقد كان من المفهوم تماماً غياب تعرض أوروبا لقطاع التكنولوجيا والمشكلات المتعلقة بارتفاع أسعار الطاقة.

رغم ذلك بدأ المستثمرون هذا العام متفائلين جداً بشأن استمرار الاتجاهات التي ميزت أسواق الأسهم خلال العقد الماضي، بينما كانوا متشائمين بشأن إمكانات التنويع كوسيلة لتعزيز العوائد المعدلة حسب المخاطر.

ومنذ بداية هذا العام، بدأت الأسواق في التشكيك في هذه الافتراضات، ما فتح آفاقاً أوسع للمستثمرين. أولاً: أداء سوق الأسهم الأمريكية حالياً ضعيف في الأسواق الأخرى، خاصة أوروبا؛ إذ ارتفعت معظم المؤشرات الأوروبية بنسبة 12 % أو أكثر بالدولار حتى الآن هذا العام، مقابل أداء ثابت لمؤشر ستاندرد آند بورز 500.

وكان أداء سوق الأسهم الألماني أكثر لفتاً للانتباه؛ إذ يشهد مؤشر داكس 40 حتى الآن في عام 2025، ثاني أفضل بداية للعام منذ إعادة توحيد ألمانيا، حيث ارتفع بنسبة 13 % باليورو و15 % بالدولار.

ثانياً: على مستوى القطاعات أيضاً، غالباً ما يتم تجاهل فرص التنويع، فالبنوك الأوروبية أصغر بكثير من شركات التكنولوجيا الأمريكية الرائدة.

ولذلك تحظى باهتمام أقل، لكنها قدمت أداء جيداً خلال العامين الماضيين؛ إذ سجلت البنوك الأوروبية ارتفاعاً بنسبة 20 - 25 % منذ بداية العام حتى تاريخه، بينما تراجع قطاع التكنولوجيا الأمريكي.

ثالثاً: هناك اتجاهات عدة، وللمرة الأولى منذ فترة طويلة، هناك من يتفوق على شركات التكنولوجيا الأمريكية ذات القيمة السوقية الكبيرة؛ فقد أعاد ظهور منافسة جديدة من الصين إحياء الاهتمام بأسهم التكنولوجيا في البلاد، التي ارتفعت بأكثر من 35 % من أدنى مستوى لها في يناير إلى أعلى مستوى لها مؤخراً.

في الوقت نفسه، توجد في أوروبا توقعات بحدوث انخفاض في أسعار الغاز إذا تم التوصل لاتفاق سلام مع أوكرانيا، وإمكانية زيادة الإنفاق المالي عقب الانتخابات الألمانية، وانطلاق جهود الحكومات الأوروبية لتخفيف القيود التنظيمية وتحفيز النمو.

وقد لا تكون الأمور بالسوء الذي تشعر به الأسواق، فالتوقعات والتقييم لهما أهمية بالغة.ويعد التنويع وسيلة جيدة لتوزيع المخاطر وتعزيز العوائد المعدلة وفقاً للمخاطر على المدى الطويل.

ورغم أن الظروف قد عطلت هذا النهج خلال معظم العقد الماضي، إلا أن فوائد التنويع بدأت تعود للظهور مجدداً.