على الرغم من كونها تقنية ناشئة، حققت أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي إنجازات بارزة، حيث باتت قادرة على تأليف الموسيقى، وتلخيص كميات هائلة من الوثائق القانونية في ثوانٍ معدودة، بل وحتى إنتاج إعلانات تلفزيونية بناءً على مدخلات بسيطة. ومع ذلك، لكي تصبح أكثر دقة وكفاءة، وتتمكن من تصحيح الأخطاء وتوسيع نطاق استخدامها، تحتاج هذه النماذج إلى الاستمرار في استخدام المحتوى البشري والتدرب عليه.
غير أن الإطار القانوني الذي ينظم هذا التفاعل بين الإنسان والآلة لا يزال متأخراً بشكل مقلق، ما يشكل تهديداً على التطور المستدام لهذه التقنية، فضلاً عن تأثيره المحتمل في الأفراد والشركات التي تزوّدها ببيانات ورؤى فريدة.
واستمدت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي قدراتها الحالية من كميات هائلة من النصوص والأصوات والصور ومقاطع الفيديو المنشورة على الإنترنت، لكن للأسف فقد تم جمع الكثير من هذا المحتوى دون الحصول على إذن من المبدعين الأصليين. كما أدت الخلافات حول كيفية تطبيق قوانين حقوق الملكية الفكرية على عمليات تدريب الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى إثارة احتجاجات ومعارك قضائية حول العالم.
وغالباً ما يجادل مطورو النماذج بأن الاستثناءات المتعلقة بمبدأ «الاستخدام العادل»، التي تسمح باستخدام المواد المحمية بحقوق الملكية الفكرية ضمن شروط محددة، على سبيل المثال، عندما يستخدم الباحثون مقتطفات قصيرة مع الإشارة إلى المصدر، تنطبق على استخداماتهم.
ويعارض الفنانون والموسيقيون ووسائل الإعلام ذلك بشدة، إذ يرون أن شركات الذكاء الاصطناعي تنتهك حقوقهم في حماية الملكية الفكرية، ويقولون إنها لا تقتصر على اقتباس بياناتهم فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى استخدام أوسع.
ومع استمرار الدعاوى القضائية في مختلف أنحاء أمريكا، والخلافات القائمة في أوروبا بشأن كيفية تطبيق قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي، اتخذت بريطانيا خطوة استباقية لتوضيح المسألة، فقد أنهت الحكومة البريطانية الأسبوع الماضي مشاوراتها حول خططها المستقبلية حيال حقوق الملكية الفكرية في الذكاء الاصطناعي.
ورغم ذلك تجد الحكومة البريطانية نفسها عالقة بين هدفين متعارضين، فمن ناحية، تسعى إلى جعل البلاد بيئة جاذبة لشركات الذكاء الاصطناعي، بما يساعدها على التوسع وتعزيز النمو الاقتصادي، ومن ناحية أخرى، تحاول حماية صناعتها الإبداعية التي تعد من بين الأفضل عالمياً. وقد أشار رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، الأسبوع الماضي، إلى أن هذه الخطط ليست نهائية، لكن المشاورات كشفت عن ميل الحكومة إلى السماح لشركات الذكاء الاصطناعي باستخدام الأعمال المحمية بحقوق الملكية الفكرية لتدريب نماذجها دون الحاجة إلى إذن مسبق.
غير أن هذا النهج سيكون خطأ كبيراً، إذ إنه يميل لصالح شركات الذكاء الاصطناعي على حساب المبدعين، ويقلب مبدأ قانونياً راسخاً منذ قرون، وهو أنه لا يجوز لأحد تحقيق أرباح من ملكية فكرية تخص شخصاً آخر دون موافقته. ورغم أن هناك آلية لـ«الانسحاب» تُستخدم في الاتحاد الأوروبي، فإن الأنظمة المطلوبة لمعالجتها وتطبيقها عبر منصات متعددة وحالات استخدام مختلفة لا تزال غير متماسكة.
ويجب أن يدرك المشرعون حول العالم أن بناء منظومة مستدامة وسريعة النمو للذكاء الاصطناعي التوليدي يعتمد على قوة وثقة من ينتجون البيانات المصدرية، فالسماح لشركات التكنولوجيا باستخدام محتوى المبدعين رغماً عنهم، من أجل بناء منافسة أقوى وأوسع نطاقاً، يقوض في الأساس الحوافز الإبداعية والابتكارية للأفراد والشركات.
هناك طريق أفضل للمضي قدماً يتلخص في دعم أسواق ترخيص البيانات، فمنح المبدعين حق الموافقة المسبقة على استخدام أعمالهم، مقابل تعويض مالي من شركات الذكاء الاصطناعي، يضمن لهم السيطرة على حقوقهم الفكرية (إذ يتم ذلك وفق نموذج الاشتراك الطوعي) ويكافئهم على جهودهم، ما يعزز استمرارية إنتاجهم. كما يضمن ذلك لنماذج الذكاء الاصطناعي وصولاً مستداماً إلى بيانات عالية الجودة، بعيداً عن النزاعات القانونية.
وقد أبرمت العديد من المؤسسات الإعلامية والإبداعية، بما في ذلك صحيفة فاينانشال تايمز، اتفاقات فردية لترخيص المحتوى مع شركات الذكاء الاصطناعي، إلا أن الانتقال من صفقات فردية إلى سوق أوسع لتراخيص التدريب يمثل الخطوة التالية.
ويمكن للحكومات المساهمة في ذلك من خلال دعم معايير شفافية يقودها القطاع حول كيفية استخدام بيانات التدريب، إلى جانب تطوير برمجيات لمعالجة التراخيص وتتبعها. ومع مراجعة الحكومة البريطانية لنتائج مشاوراتها، فإن أمامها فرصة لوضع معيار عالمي لكيفية التعايش بين الذكاء الاصطناعي والإبداع البشري. وإذا كانت بريطانيا تسعى إلى إنشاء بيئة تنافسية تجذب شركات الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل، فإن تطوير سوق حرة وعادلة للبيانات سيكون الحل الأمثل الذي يحقق مصلحة الجميع.
