روبرت ارمسترونج - ايدن رايتر
تبخرت آمال الأسواق المالية في أن يكون تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على المكسيك وكندا مجرد مناورة تفاوضية، وذلك بعدما أكد دخول التعريفات الجمركية بنسبة 25% حيز التنفيذ إلى جانب زيادة بنسبة 10% على الرسوم المفروضة على الواردات الصينية. وقد انعكست هذه التطورات سلباً على الأسواق المالية، حيث تراجع مؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 1.8%، بينما هبط مؤشر «راسل 2000» بنسبة 2.8%. في المقابل، شهدت أسعار الذهب ارتفاعاً حاداً. لكن، لماذا تخشى الأسواق فرض التعريفات الجمركية؟ وأين يكمن الضرر؟ من اللافت مدى صعوبة تقديم إجابات دقيقة لهذه التساؤلات.
يكمن جزء من المشكلة في الاعتقاد السائد بأن الرسوم الجمركية ستؤثر سلباً على النمو الاقتصادي. فوفقاً لتقديرات «مؤسسة الضرائب»، فإن الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة على المكسيك وكندا قد تؤدي إلى انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي على المدى الطويل بنسبة تصل إلى 0.4%. أما «معهد بروكينغز»، فيشير إلى أن هذه النسبة قد تكون أعلى، وذلك يعتمد على طبيعة الإجراءات الانتقامية التي قد تلجأ إليها المكسيك وكندا رداً على التعريفات الأمريكية.
لكن الواقع، في تقديرنا، سيكون أسوأ من ذلك، فتوقع كيف سيتصرف ترامب صعب للغاية، إذ يبدو أنه يرى في عدم القدرة على التنبؤ أداة للسلطة والمناورة. لكن من الصعب تصور أنه سيفرض رسوماً بنسبة 25% على المكسيك وكندا دون أن يطبق الأمر ذاته على الاتحاد الأوروبي، الذي لا يخفي كراهيته له. ومن المهم ملاحظة أن الاتحاد الأوروبي والمكسيك وكندا معاً يشكلون ما يقرب من ثلثي إجمالي واردات السلع الأمريكية، والتي وصلت قيمتها إلى حوالي 3 تريليونات دولار في عام 2024. ومن المتوقع أن تشهد القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، مثل صناعة السيارات والكيماويات، تغييرات جوهرية.
وبالنسبة لتأثير الرسوم على أرباح الشركات، فالأمر أكثر تعقيداً، فهناك العديد من المتغيرات التي يجب أخذها في الاعتبار، مثل ردود الفعل المحتملة للدول الأخرى، ومدى استعداد المصدرين إلى الولايات المتحدة لتحمل جزء من الرسوم مقابل تمريرها إلى المستهلكين، ومدى مرونة الطلب السعري للمنتجات، وإمكانية إيجاد بدائل محلية بسهولة. حتى الشركات نفسها تجد صعوبة في تقدير التأثير الصافي على إيراداتها وهوامش أرباحها.
وقد انعكست حالة عدم اليقين هذه بوضوح في موجة بيع الأسهم التي شهدتها الأسواق. وعلى مستوى القطاعات المختلفة، لم يظهر أن المستثمرين كانوا يتخلصون من أسهم الشركات المستوردة على وجه التحديد، بل كانوا يتجنبون المخاطر بشكل عام.
وقد ارتفعت أسهم القطاعات الدفاعية والعقارات، مستفيدة من انخفاض أسعار الفائدة، في حين تراجعت الأسهم الدورية. أما أكبر الخاسرين فكان قطاع التكنولوجيا، فصحيح أن عمالقة التكنولوجيا مثل «إنفيديا» شركات عالمية، لكن هل هي أكثر عالمية من الشركات الصناعية الكبرى أو شركات المواد الأساسية؟ وعلى الأرجح، كان السبب وراء تراجعها هو أن القطاع شهد أداءً قوياً في الفترة الماضية وأصبحت أسعاره مرتفعة، لذا لجأ مديرو المحافظ الاستثمارية إلى البيع كوسيلة لتقليل المخاطر. أما تراجع أسهم قطاع الطاقة، فمن المرجح أن يكون مرتبطاً بزيادة إنتاج «أوبك» أكثر من ارتباطه بالرسوم الجمركية.
وهناك بالطبع رابحون وخاسرون بسبب التعريفات: فقد تراجعت بشدة أسهم المستوردين الكبار مثل «دولار تري». في المقابل، ارتفع سهم «ويرهاوزر»، منتج الأخشاب الذي سينافس الآن الأخشاب الكندية المفروض عليها تعريفات. لكن في معظم الحالات، كان أكبر الرابحين هي الأسهم الدفاعية التقليدية، مثل «هيرشي» و«كامبلز»، بينما كان أكبر الخاسرين (خارج قطاع الطاقة) هي شركات التكنولوجيا.
وواحدة من الكليشيهات المتداولة بشأن إدارة ترامب هي أن الأسواق ستكبح جماح سياساته لكن مع انتقال التعريفات الجمركية من مجرد خطاب سياسي إلى واقع ملموس، سيخضع هذا الافتراض لاختبار حقيقي.
وفيما اتسمت الأيام الأخيرة بسرد كئيب لسلسلة من البيانات السوقية والاقتصادية التي تتجه نحو التراجع، فإن هناك مؤشراً واحداً شهد تحسناً ملحوظاً في الفترة الأخيرة، وهو مؤشر «إس آند بي 500». فمع إعلان معظم الشركات عن نتائجها، ارتفعت أرباح المؤشر بنسبة كبيرة بلغت 18% على أساس سنوي - وهو ما يفوق بكثير توقعات المحللين، إذ سجل أكبر نمو منذ الانتعاش الذي أعقب جائحة كوفيد في عام 2021.
ويرجع المكسب الكبير في معظمه إلى تحسن هوامش الربحية، فقد نمت إيرادات الشركات المدرجة في المؤشر بنسبة 5% وهي نسبة أكثر اعتيادية وتتوافق مع التوقعات، بحسب بيانات «فاكت سيت». أما صافي هوامش الربح فقد شهدت توسعاً بمقدار 1.3 نقطة مئوية مقارنة بالربع المماثل من العام السابق، لتصل إلى 12.6%.
وفي ظل تباطؤ الاقتصاد وتزايد المخاوف، يمثل النمو القوي للأرباح أخباراً إيجابية ذات أهمية استراتيجية. فالأرباح الجيدة تدعم أسعار الأسهم، وارتفاع أسعار الأسهم يعزز ثقة المستثمرين والمستهلكين، وهذه الثقة بدورها تدعم النشاط الاقتصادي بشكل عام.
ومع ذلك، هناك جانب معقد في هذه الصورة: ففي الوقت الذي جاءت فيه أرباح الربع الرابع من عام 2024 أقوى من المتوقع، شهدت توقعات أرباح عام 2025 تراجعاً طفيفاً. وقد بين سكوت كرونيرت، المحلل في بنك «سيتي»، التغيير الذي طرأ على توقعات أرباح الربع الرابع من عام 2024 والسنة المالية الكاملة لعام 2025 منذ بداية العام الحالي، مشيراً إلى تصدر الأسهم الدورية، وخصوصاً قطاع المواد الأساسية، قائمة القطاعات التي شهدت تخفيضاً في توقعات أرباح 2025 - والملفت للنظر أن قطاع الخدمات المالية هو القطاع الوحيد الذي شهد تحسناً في التوقعات، وإن كان هذا التحسن طفيفاً.
وقد تأثرت هذه التقديرات بشكل كبير بالتوقعات التي قدمتها إدارات الشركات خلال مكالمات مناقشة الأرباح مع المحللين الماليين. وقد اتسمت نبرة تلك المكالمات بالحذر المبرر، نظراً لحالة عدم اليقين على الصعيد السياسي، وتباطؤ النمو الاقتصادي، إضافة إلى ميل الشركات عادة إلى تبني نهج محافظ في توقعاتها المستقبلية لتتمكن من تجاوزها عند التنفيذ الفعلي. وهذا التناقض بين الأداء القوي الحالي والنظرة المستقبلية الحذرة يلخص بدقة الحالة الراهنة للأسواق المالية.
