هل تفاؤل المستثمرين كافٍ في ظل ضعف ثقة المستهلكين الأمريكيين؟

روبرت أرمسترونغ وأيدن ريتر

تزامنت البيانات الاقتصادية الضعيفة الأخيرة بالولايات المتحدة مع تراجع مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن جامعة ميشيغن. ولعل من أبرز الجوانب في هذه البيانات المخيبة للآمال أنها جاءت في وقت كانت فيه مقاييس ثقة المستثمرين مرتفعة للغاية في الغالب.

في المقابل، لدينا مؤشر ليفكوفيتش التابع لبنك «سيتي»، وهو مقياس مركب يستند إلى مؤشرات عدة، مثل مستويات ديون الهامش ونسبة خيارات البيع إلى الشراء. ويقيس هذا المؤشر معنويات المستثمرين على مقياس يتراوح بين «الذعر» و«التفاؤل»، وعلى الرغم من أن المؤشر تراجع قليلاً الأسبوع الماضي، فإنه لا يزال ضمن نطاق التفاؤل، كما أن مؤشر معنويات المستثمرين التابع لـ«بنك أوف أمريكا»، الذي يجمع بين توقعات النمو وتخصيصات الأسهم والنقد، قد انخفض قليلاً هو الآخر، لكنه لا يزال عند مستويات متفائلة للغاية. أما استطلاع المستثمرين الأفراد الذي تجريه الجمعية الأمريكية للمستثمرين الأفراد فهو مختلف تماماً، فكما هي الحال مع مؤشر ثقة المستهلك، فإنه بعيد عن المستويات المرتفعة التي سجلها في عام 2024.

ظاهرياً، قد يبدو التفاؤل من قبل المستثمرين المؤسسيين جنباً إلى جنب مع ضعف معنويات المستهلكين وبعض التخوف من المستثمرين الأفراد مزيجاً سيئاً. هذا صحيح بشكل خاص إذا كنت تعتقد، كما يعتقد بعض مراقبي السوق، أن ثقة المستهلك تعد مؤشراً رائداً على أداء الأسواق المالية.

وعلى مدار التاريخ، كانت العلاقة بين معنويات المستهلكين والمستثمرين متشابكة، لكنها في بعض الأوقات تقدم دلالات واضحة، فقبل أزمة 2008، بدأ مؤشر ثقة المستهلك في التراجع، بينما استمرت معنويات المستثمرين المؤسسيين في الصعود بسلاسة قبل أن تنهار فجأة. ومن عام 2013 إلى 2020، كانت معنويات المستهلكين تتبع أداء السوق بشكل أدق مقارنة بمعنويات المستثمرين المؤسسيين. ويرى درو بيتيت من بنك «سيتي» أن مؤشرات المستهلكين، مثل استطلاع ميشيغن، أصبحت أقل ارتباطاً بأسواق الأسهم خلال السنوات الخمس الماضية: «بعد الجائحة، شهدنا انهياراً في العلاقة التقليدية بين المؤشرات الاقتصادية ومؤشرات ثقة المستهلك من جهة، وسوق الأسهم من جهة أخرى».

ولا يزال المستثمرون يستثمرون وفقاً للدورات الاقتصادية، لكنهم لم يعودوا يركزون على دورات معنويات المستهلكين كما في السابق. وفي الوقت الحالي، يوجهون استثماراتهم نحو دورات التكنولوجيا والاتجاهات الهيكلية طويلة الأجل، لأنها تشكل الوزن الأكبر في المؤشرات المالية، فمسألة ما إذا كان المستهلكون سيشترون المزيد من الأثاث ليست بالضرورة مرتبطة بشكل مباشر بتوسع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.

وهناك عامل آخر يجب أخذه في الاعتبار. في ظل التعافي غير المتكافئ للاقتصاد الأمريكي بات الإنفاق الاستهلاكي يعتمد بشكل متزايد على الأسر الثرية، وهذا يعني أن مشاعر المستهلك العادي تجاه الاقتصاد قد تكون أقل دقة في التنبؤ بالمسار الاقتصادي مما كانت عليه في السابق. ويشير بريج خورانا من «ويلينغتون فيكسد إنكوم» إلى أن أثر الأسر الثرية في الأسواق أكبر بكثير، حيث تمتلك هذه الفئة الحصة الكبرى من الأسهم؛ لذلك قد يكون الأهم للأسواق هو معنويات وتصرفات هذه الأسر الثرية، وليس المستهلك العادي. ويبدو أن هؤلاء المستثمرين والمستشارين الماليين ما زالوا يراهنون على «دفعة ترامب» المحتملة من خلال سياسات تخفيف القيود التنظيمية وخفض الضرائب.

وقال خورانا: «هناك تفاؤل كبير بين المستثمرين بأن الإدارة الحالية ستركز فعلياً على تخفيف الإجراءات التنظيمية وخفض الضرائب، ما قد يعزز معدلات النمو الحقيقي. وحتى الآن، ركزت الإدارة أكثر على التعريفات الجمركية والهجرة وخفض الإنفاق، لكن الأسواق لا تزال تأمل في أن ينجح ترامب في تمرير مشروع قانون مصالحة رئيسي يركز في النهاية على الإصلاح الضريبي وتخفيف القيود»؛ بالتالي، ورغم أن التباين بين ثقة المستثمرين وثقة المستهلكين ليس مؤشراً إيجابياً، إلا أنه قد لا يكون مهماً بقدر ما كان في الماضي.

وبالنسبة لأسواق الأسهم الأمريكية، فإن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 يتحرك بشكل عرضي منذ 6 ديسمبر، في فترة استمرت 11 أسبوعاً من الأداء المتوسط بعد عام من المكاسب القوية والمتواصلة، فما الذي تغير؟ وما الذي يحقق نجاحاً وما الذي لا ينجح؟

رغم أن الأشهر الثلاثة الماضية قد تبدو كأنها فترة استقرار للأسهم الأمريكية الكبرى، إلا أن هذا يخفي تذبذبات داخلية ملحوظة، فقد تراجعت معظم الأسهم تدريجياً من ديسمبر حتى أوائل يناير. ومنذ ذلك الحين، ظهر نمط عام، وإن كان غير منتظم، في أداء القطاعات، فقد حققت الأسهم الدفاعية مكاسب، خصوصاً في قطاعات الاتصالات، والصناعات الدوائية، والأغذية، والمشروبات، والتبغ. في المقابل، كانت القطاعات الدورية هي الخاسر الأكبر، مثل السيارات، والسلع المعمرة. وكما أشرنا سابقاً، فقد عانت الشركات الصغيرة ذات الحساسية الاقتصادية المرتفعة أيضاً.

ويبدو أن هذه التوجهات تعكس تراجع الثقة في النمو الاقتصادي، وهو ما يتماشى مع البيانات الاقتصادية الضعيفة التي أشرنا إليها، لكن ذلك لا يعني أن الركود بات وشيكاً، فلو كان الأمر كذلك، لكنا شهدنا اتساع الفارق بين عوائد سندات الشركات وعوائد سندات الخزانة الآمنة، لكن هذا لم يحدث. وما نراه حالياً هو تراجع التوقعات المفرطة في التفاؤل بشأن النمو إلى مجرد توقعات متوسطة.

الجدير بالذكر أن العكس تماماً يحدث مع الشركات الكبرى في أوروبا، حيث شهدت مكاسب واسعة النطاق، مع أداء قوي للقطاعات الدورية مثل البنوك والصناعات، وهذا ما يحدث عندما تتحول التوقعات من «سوداء تماماً» إلى «رمادية قاتمة». لكنّ هناك عاملاً أكثر أهمية وراء هذه التحركات، هو غياب قيادة قطاع التكنولوجيا الكبرى، فلو استثنينا أسهم «تسلا»، و«ألفابت»، و«مايكروسوفت»، و«برودكوم»، و«أمازون» لكان السوق مرتفعاً بنسبة 4 % منذ بداية يناير، بدلاً من تراجعه بنسبة 1 %.

وهكذا، فلطالما تساءلنا لسنوات عن ما سيحدث للسوق إذا تخلت شركات التكنولوجيا الكبرى عن القيادة؟ الآن بات لدينا الجواب: سيتوقف عن الارتفاع.