روشير شارما
من الألغاز الصعبة في الوقت الحالي تواصل المضاربة المحمومة في سوق الأسهم الأمريكية المزدهرة، رغم أنه من الواضح أن حقبة الأموال السهلة قد انتهت.
وكان الحماس الشديد مفهوماً عندما كانت الأموال شبه مجانية، لكن ذلك كان في العقد الماضي. وفي عام 2022، بدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة من مستويات قريبة من الصفر إلى نحو 5%.
رغم ذلك، وبعد توقف قصير، عاد نشاط المضاربة للظهور بقوة في العديد من فئات الأصول الأمريكية، وعلى رأسها التطبيقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وعملات الميم.
إحدى الإجابات أن حقبة الأموال السهلة لم تنتهِ بالكامل. فقد كانت هذه الحقبة تعتمد على شبكة متنامية من الدعم الحكومي والبنوك المركزية، وتضمنت إنقاذ الأسواق والشركات والمصارف، والتحفيز المستمر.
وكذلك أسعار الفائدة المنخفضة بالطبع. والذي اختفى فقط هو معدلات الفائدة المنخفضة. لكن ما زالت هذه الثقافة قائمة ومستمرة في دعم ثقة المضاربين في أنه لن يتم السماح بحدوث شيء سيئ.
وتركز غالبية الحجج التي تحاول تفسير الثقة غير القابلة للزعزعة في السوق الأمريكية اليوم على مرونة الاقتصاد الأمريكي المدعوم بدورها الريادي في الذكاء الاصطناعي والرئيس المؤيد بشدة للأعمال.
لكنّ المضاربين كانوا جامحين حتى من قبل أن تسيطر حمى الذكاء الاصطناعي على الأسواق الأمريكية عام 2023، وقبل وقت طويل أيضاً من عودة دونالد ترامب للرئاسة.
وهناك شيء أعمق من تأثير الذكاء الاصطناعي وترامب يعمل في الخلفية. والتقطت وسائل التواصل الاجتماعي العبارة التي تتردد كثيراً تعكس تواصل حماس المضاربين وهي «اشتر الأصول عند انخفاضها».
وكلما استمرت السوق الصاعدة، كلما شعر المستثمرون بالجرأة لشراء الأصول عند انخفاض سعرها. وعانت السوق خلال الشهر الماضي انتكاسات وجيزة بسبب أخبار عن سلسلة تحديات صينية للهيمنة الأمريكية على فضاء الذكاء الاصطناعي وبسبب تعريفات ترامب الجمركية.
وقد سارع المستثمرون الأفراد بعد ذلك إلى شراء الأسهم بصورة غير مسبوقة.
وشهدت الفترة القصيرة الماضية أربعة من بين أبرز خمسة أيام شهدت أكبر مشتريات من جانب المستثمرين الأفراد هذا العقد. وربما تكون الأسهم هي أكثر ما يحبه ترامب، حتى أكثر من التعريفات الجمركية.
لذا يبدو أن المستثمرين يفترضون أن إدارته ستحرص على ألا تسمح لأسعار الأسهم بالانخفاض، حتى أكثر من سابقاتها. لذا، تعتمد حفلة شراء الأسهم على الأساس نفسه الذي يقوم عليه الاقتصاد الأمريكي، دعم الدولة.
وللإبقاء على النمو في خضم الجائحة، ضخ الفيدرالي كميات مهولة من السيولة في النظام المالي. وما زال قدر كبير من هذه السيولة موجوداً في الأسواق وفق بعض المقاييس.
وظل الإنفاق الحكومي مرتفعاً حتى بعد انتهاء الجائحة، ما ترك مزيداً من الأموال في أيدي الأسر والشركات، واستثمر هؤلاء بدورهم بكثافة في الأسهم (أو عمليات إعادة شراء الأسهم) وكانوا على ثقة في أن الدولة ستخفف الخسائر.
وتعود ثقافة الإنقاذ إلى الحزمة الأولى لإنقاذ مصرف أمريكي كبير عام 1984، وأول تعهد صريح من الفيدرالي بتعزيز سوق الأسهم عام 1987. ومنذ ذلك الحين، تزايدت حزم الإنقاذ سخاء وتلقائية، ما شجع ازدياد حمى المضاربات وارتفاع تقييمات السوق بصورة مطردة.
وأصبح المستثمرون ينظرون إلى المخاطر على أنها غير متماثلة، بما أن الدولة تستخدم سقفاً للخسائر فيما هي لا تضع حدوداً للمكاسب.
وأصبح البائعون على المكشوف- المراهنون على انخفاض الأسهم المتعثرة، عملة نادرة في سوق لا تسمح فيها الحكومة إلا بالاتجاه الصاعد.
ويقترب معدل إفلاس الشركات في الولايات المتحدة من مستويات منخفضة قياسية (بخلاف ما شهدته السوق خلال الجائحة)، في ضوء قوة الاقتصاد وحصوله على دعم من الدولة. ولا يفرض المقرضون أي علاوات تقريباً على قروض الشركات، سواء كانت متعثرة أم لا، بما أن التخلف عن السداد غير مرجح بشدة.
وفي خضم الجائحة، تدفقت كميات غير مسبوقة من الأموال إلى أيدي المستهلكين أيضاً الذين بدأوا في استثمار أموالهم بينما كانوا ماكثين في منازلهم باعتبار الاستثمار ملهاة واعتبروا الأسواق وكأنها ساحة للمغامرات.
وتوقف هذا البحث عن الإثارة لفترة وجيزة عندما اضطر الفيدرالي إلى رفع الفائدة عام 2022 مع تصاعد التضخم، لكن لم يدم هذا التوقف كثيراً.
ففي العام التالي، استجابت الحكومة لانهيار «سيليكون فالي بنك» بضمان كافة ودائعه، ثم ضخت 400 مليار دولار إضافية في النظام المصرفي لضمان عدم انتشار الذعر.
وفي الصيف التالي، قرر الفيدرالي خفض الفائدة حينما تراجعت الأسهم لبضعة أيام وطالب المستثمرون بتقليص كبير للفائدة رغم استمرار ارتفاع التضخم. وبذلك، ظلت المضاربة قائمة في السوق.
وبعيداً عن القلق بشأن ارتفاع تكاليف الاقتراض، يعتمد الأمريكيون أدوات محفوفة بالمخاطر مثل الصناديق المُتداولة في البورصة بالرافعة المالية التي توفر حتى لصغار المستثمرين الفرصة لزيادة رهاناتهم على أسهم فردية، وتشمل الاسم الأكثر شهرة «إنفيديا». حتى أن العملات المشفرة ذات الأسماء الغريبة مثل «فارت كوين» كانت تحقق مكاسب كبيرة في الأشهر الأخيرة.
إذاً كيف يمكن تغيير هذا الافتراض الذي يوجه سلوك المضاربين بأن الدولة تدعم المضاربة؟
إحدى الطرق هو أن ترتفع تكلفة المال أكثر، مدفوعة ربما بارتفاع التضخم. وهناك طريقة أخرى، وهي وقوع أزمة مالية أو أي صدمة أخرى تجعل الحكومة غير قادرة على تحمّل تكاليف مثل عمليات الإنقاذ السخية هذه. وحتى حدوث ذلك، ستظل مقولة «اشتر الأصول عند انخفاضها» هي الشعار الذي يسيطر على غالبية المستثمرين.
