أزمة تعريفات ترامب تعيد طرح السؤال: ما هي كندا حقاً؟

من الغريب أن 26% من الشباب الكندي منفتحون على فكرة الاندماج مع الولايات المتحدة

جويل سوس

أعادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن كندا إحياء النقاش حول الهوية الكندية وعلاقتها بجارتها الجنوبية القوية، فقد اقترح ترامب أن تتجنب كندا الصراع التجاري مع الولايات المتحدة عبر الانضمام إليها كولاية جديدة، واصفاً إياها بـ«الولاية الحادية والخمسين العزيزة».

وعلى الرغم من الرفض القاطع من قبل رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو لهذا الاقتراح، إلا أن مسألة التشكيك في السيادة الكندية لها جذور عميقة.

تواجه كندا تحديات هوية متعددة، منها الانقسامات الجغرافية بين الشرق والغرب، والانقسامات اللغوية بين المتحدثين بالفرنسية والإنجليزية، إضافة إلى غياب هوية ثقافية مميزة وواضحة. وهذه العوامل جعلت العديد من الكنديين يتوقعون نهاية حتمية لبلادهم، سواء عبر التفكك الداخلي أو الاندماج مع قوة أكبر.

ويعكس هذا النقاش التحديات التي تواجهها كندا في الحفاظ على هويتها الوطنية في ظل التأثيرات الثقافية والاقتصادية القادمة من الولايات المتحدة، التي تظل الشريك الأقوى والأكثر تأثيراً في المنطقة.

وقد عبر عن هذه الأزمة الكاتب الكندي البارز مورديكاي ريتشلر بكلمات تلخص المعضلة: «لا أحد متأكد من ماهية الثقافة الكندية، أو ما يميزها عن الثقافتين البريطانية والأمريكية، بل إننا لسنا متأكدين من وجود ثقافة وطنية من الأساس».

وتكشف نتائج استطلاع حديث أجرته مؤسسة «أباكوس داتا» عن تحول في المواقف الكندية تجاه فكرة الاندماج مع الولايات المتحدة، فما يصفه الكاتب ريتشلر بـ«الإحراج الحاسم» في تحديد الهوية الكندية يبدو أنه يؤثر بشكل خاص في الجيل الأصغر، فبينما يرفض 80% من الكنديين فوق سن 45 فكرة الانضمام لأمريكا بشكل قاطع، تنخفض نسبة الرفض بين الشباب (18 - 29 عاماً) إلى 54% فقط، مع إبداء 26% منهم انفتاحاً على دراسة الفكرة.

وينعكس هذا الانقسام أيضاً في المواقف السياسية، حيث ترفض دانييل سميث، رئيسة وزراء مقاطعة ألبرتا الغنية بالنفط، استخدام صادرات النفط الخام ورقة ضغط ضد الولايات المتحدة في المفاوضات التجارية.

وظهرت رئيسة وزراء ألبرتا، أخيراً، في صورة جمعتها بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال لقاء في منتجع مارالاغو، وهي الزيارة التي نسّقها رجل الأعمال الكندي كيفن أوليري، الذي يدعو إلى تعزيز الروابط الاقتصادية بين كندا والولايات المتحدة، بما في ذلك اقتراحه أن تتخلى كندا عن عملتها الوطنية لصالح الدولار الأمريكي.

وهذه التطورات تذكرنا بتحذيرات المفكر السياسي الكندي جورج جرانت قبل خمسين عاماً، حين تحدث عن تآكل السيادة الكندية بعد أن أدت الضغوط الأمريكية إلى إسقاط حكومة جون ديفنبيكر الشعبوية وفرض نشر الأسلحة النووية الأمريكية في كندا. وما وصفه جرانت آنذاك بتحول كندا إلى مجرد «تابع فرعي» للولايات المتحدة يبدو اليوم حقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

وتعتمد كندا بشكل كبير على الولايات المتحدة في اقتصادها، حيث يتم تصدير المواد الخام الكندية، مثل النفط الخام والأخشاب، بكميات متزايدة إلى الجنوب ليتم تكريرها أو تصنيعها هناك.

وتشكل الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة، التي تمثل نحو ثلاثة أرباع إجمالي الصادرات الكندية، ما يقرب من خمس الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

وعلى النقيض، فإن الصادرات الأمريكية إلى كندا تمثل فقط نحو 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.

غير أن هذا الوضع لم يكن دائماً مقبولاً، فقد أدت تحذيرات المفكر جرانت إلى صحوة قومية كندية في عهد رئيس الوزراء بيير ترودو في السبعينيات والثمانينيات، حيث اتبع سياسة خارجية مستقلة وجريئة، تجلت في صداقته مع الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، وانتقاده العلني للرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون.

وتلوح في الأفق بوادر صحوة قومية كندية جديدة، مدفوعة بالتهديدات التجارية للرئيس الأمريكي ترامب، فالكنديون، الذين طالما عانوا من أزمة هوية وشعروا أن صورتهم النمطية لا تتجاوز شراب القيقب وهوكي الجليد، قد يجدون في هذا التحدي الخارجي حافزاً لتعزيز وحدتهم الوطنية.

وقد أعلنت الحكومة الكندية عن خطة للرد تتضمن «إجراءات مضادة» محدودة على التعريفات الجمركية الأمريكية الجديدة، المقرر تطبيقها بعد فترة تجميد مدتها 30 يوماً.

وتشمل هذه الإجراءات فرض رسوم إضافية بنسبة 25% على سلع أمريكية مستوردة بقيمة 155 مليار دولار كندي (ما يعادل 107 مليارات دولار أمريكي)، لكن هذه الأزمة قد تسببت بالفعل في تصدع العلاقات الاقتصادية والسياسية الوثيقة التي بُنيت بين البلدين على مدى عقود.

وظهرت مؤشرات الغضب الشعبي الكندي في نهاية الأسبوع الماضي من خلال استهجان المشجعين للنشيد الوطني الأمريكي، وقرارات سحب منتجات أمريكية من رفوف المتاجر.

وفي خطاب عكس خطورة الموقف، أكد رئيس الوزراء ترودو أن التعريفات الجمركية الأمريكية قد «أحدثت شرخاً» في العلاقات بين البلدين.

ولفت ترودو إلى حقيقة تاريخية مهمة، هي أن الهوية الكندية تعرّف نفسها جزئياً بما هي «ليست أمريكية».

وهذا المفهوم ليس جديداً، فقد كان أساس التحالف الصعب بين الناطقين بالفرنسية في كيبيك والموالين للتاج البريطاني الناطقين بالإنجليزية، الذي أدى إلى تأسيس كندا عام 1867.

وبينما كان تعريف كندا لنفسها بأنها «ليست أمريكا» سبباً في قلق وجودي مستمر، فإن هذا التمايز قد يتحول اليوم إلى عامل إيجابي يسهم في بلورة هوية وطنية أكثر وضوحاً وتماسكاً.

وتجربتي الشخصية كمواطن كندي في الخارج تكشف جانباً مثيراً من النظرة العالمية لكندا، فعندما يخطئ الناس في تصنيف لهجتي كأمريكية - وهذا يحدث باستمرار - تكون ردة فعلهم عند تصحيحي فورية: اعتذار صادق واعتراف بأنهم قد يكونون تسببوا في إساءة غير مقصودة.

هذا يعكس الصورة العالمية للكنديين كشعب مسالم ومهذب، لكن تهديد الحرب التجارية المكلفة أظهر جانباً مختلفاً من الشخصية الكندية، حيث برز غضب غير معهود لدى الكثيرين، ومع ذلك، وكما عبّر الكاتب والفنان الكندي دوغلاس كوبلاند بدقة: «الناس يحبون كندا؛ لأننا لا نسعى للتوسع على حساب الآخرين».