التحولات التكنولوجية تعيد تشكيل الصناعة.. والقادم أعظم

رنا فوروهار

قبل بضعة أسابيع، عشت لحظة فارقة، غيّرت رؤيتي بالكامل لسوق العمل في الولايات المتحدة. كانت زيارتي لأحد معاقل صناعة السفن في مدينة مارينيت بولاية ويسكونسن، الذي تديره المجموعة الإيطالية «فينكانتييري»، نقطة تحول حقيقية في فهمي لما آلت إليه بيئة العمل الصناعي.

هذا المجمع، الذي يقوم ضمن أنشطته المتعددة، بتشييد فرقاطات حربية ضخمة لصالح البحرية الأمريكية، يبني وحدات بحرية يتجاوز طولها 120 متراً، وترتفع عشرات الأمتار، بما يعادل مبنى متعدد الطوابق.

في السابق، كانت عمليات تشكيل المعادن على هذا النطاق، تستغرق سنوات طويلة، وتتطلب مئات العمال. أما اليوم، فلم ألحظ داخل هذا المبنى الهائل، الذي تزيد مساحته قليلاً على حجم ملعب كرة قدم، سوى أقل من عشرين عاملاً، يوجهون أذرعاً روبوتية تقوم بأعمال اللحام وتشكيل الفولاذ بأحجام ضخمة، وفي وقت قياسي، لا يقارن بما كانت تستغرقه الطرق اليدوية التقليدية.

وتمكن الخوذات المعززة بتقنية الواقع الافتراضي، هؤلاء العمال، من مطابقة الإنشاءات الجديدة مع الأجزاء غير المركبة بدقة فائقة، وهي مهمة كانت في السابق تعتمد إلى حد كبير على التخمين والمخططات الورقية. وحتى عمال الطلاء، باتوا يرتدون بزّات خارجية، شبيهة بتلك التي تظهر في أفلام الخيال العلمي، كتلك التي ارتداها الممثل مات ديمون في فيلم «إليسيوم Elysium»، وهو ما يجعل عملهم أكثر سهولة وراحة، بشكل يفوق التصور.

وتكشف أحدث بيانات الوظائف الصادرة في يونيو، أن التوظيف في قطاع التصنيع لم يشهد أي نمو يذكر، رغم حديث الرئيس ترامب المتكرر حول إعادة توطين الصناعة.

وربما يرجع جزء من ذلك إلى الرسوم الجمركية، لكنني أعتقد أن السبب الأهم، هو التغير الجوهري في طبيعة العمل في الصناعة، فالوظائف أصبحت أقل عدداً، لكنها أفضل بكثير مما كانت عليه حين كنت أقضي بعض الوقت في منشآت للمكونات الإلكترونية المكتظة والمنخفضة التكنولوجيا نسبياً، والتي كان والدي يديرها لصالح شركات مثل «يونايتد تكنولوجيز».

أما العاملون الذين التقيت بهم فكانوا يعملون بمستوى أقرب للمهندسين منه إلى الفنيين، وهم منخرطون في عمليات ابتكار المنتجات والبحث العلمي، وتدريب الكوادر الجديدة، وهي مهام أعادت التكنولوجيا تعريفها، إذ بات تأهيل عامل لحام جديد للعمل بكفاءة، يستغرق أياماً معدودة، بدلاً من شهور طويلة، عن طريق استخدام المعدات الروبوتية المتطورة.

المشكلة هنا، أن هذا التحول يتطلب استثمارات ضخمة، وهو ما لا ترغب كل الشركات فيه أو تكون قادرة على القيام به. وضخت شركة «فينكانتييري» نحو مليار دولار في نفقات رأسمالية داخل منشآتها في ولاية ويسكونسن، على مدار 15 عاماً.

وقد ساهمت العقود الدفاعية طويلة الأجل (الممتدة لسنوات وحتى لعقود)، في جعل هذا الاستثمار مجدياً ومربحاً.

وتوظف الشركة حالياً نحو 2,500 شخص في بلدة لا يتجاوز عدد سكانها 11,000 نسمة، وهو ما أحدث تأثيراً مضاعفاً واسع النطاق، فكل وظيفة وفرتها «فينكانتييري»، دعمت ثماني وظائف أخرى في مجالات مثل سلسلة الإمداد التابعة للشركة، والإسكان، والبناء، والخدمات، والقطاع العام.

ورغم أن تصنيع السفن أو الرقائق، أو حتى السيارات في أمريكا، لن يعيد الوظائف لمستوى تسعينيات القرن الماضي، إلا أن الحفاظ على مستويات عالية من الإنتاج الصناعي في الاقتصادات الإقليمية الكبرى (التي تشمل الأمريكتين وأوروبا والصين)، تظل مسألة حيوية للأمن القومي والمرونة الاقتصادية، فالاضطرابات في سلاسل التوريد، تحدث لأسباب متنوعة، ولا يجدر بالعالم أن يركز كل موارده في منطقة واحدة.

وتثير التغيرات في طبيعة وأعداد الوظائف الصناعية، تساؤلات جوهرية حول مصادر النمو المستقبلي في أسواق العمل. فعلى مدار العقود الثلاثة الماضية في الولايات المتحدة، تربع قطاع الرعاية الصحية على عرش التوظيف في معظم الولايات، متفوقاً على قطاع التصنيع.

ويرجع ذلك جزئياً إلى أن المجتمع الأمريكي يشهد شيخوخة متزايدة وثراء أكبر، ما جعل الناس ينفقون أكثر على العناية الطبية.

كما يعود جزء آخر إلى معدلات البدانة المرتفعة، وتراجع المؤشرات الصحية العامة، إضافة إلى أن منظومة الرعاية الصحية مفككة وغير كفؤة، وهو ما يدفع نحو الإجراءات العلاجية والأدوية باهظة الثمن، بدلاً من التركيز على الرعاية الوقائية.

أضف إلى ذلك أنه لا يمكن الاستعانة بمصادر خارجية للقيام بوظائف الرعاية الصحية.

كما أن عدداً متنامياً من وظائف الرعاية الصحية، أصبح قابلاً للتطوير، أو حتى الاستبدال بالتقنيات الحديثة.

ومن هذه الزاوية، تقدم لنا التحولات الجارية في القطاع الصناعي، نظرة مستقبلية لما ينتظر القطاع الأسرع نمواً في أمريكا.

ولا تزال تكاليف الرعاية الصحية في الولايات المتحدة مرتفعة، وتتزايد بمعدلات تفوق نسب التضخم العام، كما أن جودة الخدمات متفاوتة بشكل كبير، في وقت يعاني فيه القطاع من نقص في الكوادر، وضعف في تدريبها وتأهيلها، مقارنة بما ينبغي أن تكون عليه.

وفي تقديري، سيشكل هذا الوضع فرصة سانحة للذكاء الاصطناعي، للدخول بقوة إلى هذا المجال، فقد يصبح الأطباء كصانعي السفن في المستقبل، ضمن سوق عمل ستشكله التحولات التكنولوجية الثورية.