كاتي مارتن
يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإن لم يكن يقصد ذلك، يسهم في إعادة ازدهار الأسواق المالية الأوروبية. فمنذ الانتخابات الأمريكية في نوفمبر، شهدت سوق الأسهم الأمريكية تطوراً لافتاً، حيث تجاوز مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الرئيسي للبورصة الأمريكية، مستوى 6000 نقطة للمرة الأولى في تاريخه، محققاً نمواً بنسبة 6%.
ويبدو أن الشركات الأمريكية والمستثمرين الدوليين يرحبون بسياسات ترامب، لا سيما مساعيه لتخفيف القيود التنظيمية، رغم أن تداعيات ذلك لم تتضح بعد، إلى جانب خفض الضرائب. حتى الآن، يبدو أن «الاستثنائية الأمريكية» تؤتي ثمارها. في الوقت نفسه، فإن أداء الأسواق الأوروبية لم يكن أقل تميزاً، فقد نجح المؤشر الرئيسي للأسهم الأوروبية «يورو ستوكس 600»، الذي يقيس أداء كبرى الشركات في القارة الأوروبية، في مجاراة نظيره الأمريكي محققاً مكاسب بنسبة 6.2%.
كما أن ألمانيا، التي كثيراً ما يصفها المحللون بأنها منطقة اقتصادية راكدة، فاجأت الأسهم المراقبين بتحقيق ارتفاع كبير بلغ 14%، مسجلة مستويات قياسية متتالية.
وحتى القطاع المصرفي الأوروبي، الذي عانى كثيراً في السنوات الأخيرة، فقد شهد انتعاشاً ملحوظاً مع ارتفاع أسهم البنوك بأكثر من 11% منذ بداية العام.
وفي المملكة المتحدة، فرغم الأداء الضعيف لمؤشر «فوتسي 250» الذي يضم الشركات متوسطة الحجم المعتمدة على السوق المحلي، نجح المؤشر الرئيسي «فوتسي 100» في تحطيم أرقامه القياسية وتحقيق مكاسب توازي ما حققه السوق الأمريكي.
لكن هل يمكن أن ينسب كل هذا النجاح في الأسواق المالية إلى الرئيس الأمريكي؟ الإجابة هي نعم، لكن جزئياً وبطريقته الخاصة.
فحتى الآن على الأقل، لم يتخذ ترامب موقفاً متشدداً تجاه أوروبا فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية.
صحيح أن الوقت ما زال متاحاً أمامه لاتخاذ مثل هذه الخطوة، لكن في فترة استعداده للعودة إلى البيت الأبيض وخلال الأسبوعين الأولين تقريباً من توليه منصبه، ركز ترامب في سياساته الجمركية على دول أخرى مثل المكسيك وكندا وكولومبيا (لفترة قصيرة)، وبشكل أقل من المتوقع على الصين.
وباستثناء إثارة مخاوف الدنمارك عبر التلميح إلى رغبته في السيطرة على أراضي جرينلاند التي تتمتع بالحكم الذاتي، لم يوجه ترامب انتقادات حادة لأوروبا كما كان متوقعاً.
وكشف أحدث استطلاع للمستثمرين أجراه بنك أوف أمريكا أن هذا الموقف المعتدل من جانب الرئيس الأمريكي تجاه أوروبا، إلى جانب حالة الاستقرار النسبي التي تشهدها أسواق السندات، قد شجع مديري صناديق الاستثمار على مواصلة استراتيجياتهم القائمة على تحمل المخاطر، وهو ما أتاح الفرصة للأصول المالية عالية المخاطر، التي كانت متأخرة في أدائها، للحاق بركب النمو.
وفي هذا السياق، أشار البنك إلى أن عمليات تحويل الاستثمارات من الأسهم الأمريكية إلى الأسهم الأوروبية سجلت خلال الفترة حتى استطلاع يناير أعلى مستوياتها منذ ربع قرن.
ويرى محللون في بنك «آر بي سي» الكندي أن عدم فرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية على أوروبا كان عاملاً مساعداً في هذا الأداء الإيجابي، لافتين إلى أن هذا لا يعني استبعاد فرض مثل هذه الرسوم في المستقبل، لكنها لا تبدو حالياً في مقدمة المخاوف الاقتصادية.
كما يلعب عامل آخر دوراً مهماً، وهو قيمة العملات الأوروبية - اليورو والجنيه الاسترليني وغيرهما - مقابل الدولار الأمريكي.
فالدولار لم يشهد الارتفاع السريع والمستمر الذي كان يتوقعه المتحمسون لسياسات ترامب الاقتصادية، مما شكل خيبة أمل كبيرة للمستثمرين، وخصوصاً صناديق التحوط التي راهنت بقوة على هذا السيناريو.
ولكن ما حدث فعلياً هو أن الدولار شهد ارتفاعاً قوياً قبل فوز ترامب في الانتخابات وتنصيبه، ثم استقر بعد ذلك، في تطبيق مثالي للمبدأ المعروف في الأسواق المالية: «اشترِ عندما تنتشر الشائعات، وبع عندما تتأكد الحقائق».
وشهد اليورو تحسناً في قيمته منذ منتصف يناير، ولكنه ما زال أقل بنحو 7% من مستوياته في أواخر سبتمبر الماضي - وهي الفترة التي بدأ فيها المستثمرون يقتنعون بإمكانية فوز ترامب في الانتخابات، وهو ما يشكل عاملاً إيجابياً لصادرات أوروبا.
ويواصل البنك المركزي الأوروبي سياسته النقدية التيسيرية، حيث قام يوم الخميس الماضي بخفض سعر الفائدة المرجعي بمقدار 0.25%، مع توقعات بالمزيد من التخفيضات. في المقابل، يبدو البنك الفيدرالي الأمريكي مقيداً في خياراته، حيث تتوقع الأسواق المالية تخفيضات محدودة جداً أو معدومة لأسعار الفائدة خلال العام الحالي.
هذا السيناريو يدعم بقاء اليورو ضعيفاً نسبياً، حتى لو لم يشهد الانهيار الذي توقعه بعض أنصار «تجارة ترامب».
ويضاف إلى ما سبق أن النقص الملحوظ في الشركات التكنولوجية الكبرى في أوروبا، والذي كان ينظر إليه دائماً على أنه نقطة ضعف، بدأ يظهر كميزة نسبية بعد الصدمة التي تلقتها الأسواق العالمية مع ظهور تقنيات ذكاء اصطناعي صينية منخفضة التكلفة تبدو ذات جودة عالية.
ويمثل هذا التطور فرصة لأوروبا من ناحيتين: أولاً، إذا كانت الصين قد نجحت في تطوير هذه التقنيات، فيمكن لأوروبا أيضاً تعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو ما بدأته بالفعل شركات مثل «ميسترال» الفرنسية وغيرها.
وثانياً، يؤكد هذا التطور أن السياسات الجمركية الأمريكية قد تكون سلاحاً ذا حدين يعود بالفائدة في نهاية المطاف على الاقتصادات الكبرى المنافسة.
وفي مؤتمر عقد منذ أيام، قدم الخبير الاقتصادي بول جاكسون من شركة إنفيسكو للاستثمار تحليلاً عن كيفية تأثير القيود الأمريكية على الواردات على مستقبل البلاد في المدى الطويل.
وأوضح أن انخفاض المنافسة التي تواجهها الشركات الأمريكية سيؤدي حتماً إلى ارتفاع الأسعار مقابل الكمية نفسها من السلع، مع تراجع ملحوظ في مستوى الابتكار.
وفي السياق نفسه، نشرت أنجيلا تشانغ، مؤلفة كتاب «السير على الحبل المشدود» الذي يتناول كيفية تنظيم الصين لشركات التكنولوجيا الكبرى وإدارة اقتصادها، مقالاً في صحيفة فاينانشال تايمز قبل أسبوع من الاضطراب الذي أحدثه تطبيق «ديب سيك» الصيني في الأسواق العالمية.
وأشارت تشانغ إلى أن القيود التجارية الأمريكية تدفع الصين للعمل بجدية وذكاء أكبر لمواكبة التطور الأمريكي.
والدرس المستفاد هنا هو أنه من السابق لأوانه إعلان انتصار الولايات المتحدة في سباق التكنولوجيا، ولا يزال بإمكان أوروبا وآسيا سد الفجوة التكنولوجية.
تشير كل هذه التطورات إلى تراجع الثقة في فكرة «الاستثنائية الأمريكية» التي طالما سيطرت على توقعات البنوك والمستثمرين لهذا العام.
ويبدو أن الوقت قد حان لتصنيع قبعات تحمل شعار «اجعل أوروبا مرة أخرى» باللونين الأزرق والذهبي - وبالطبع، ستكون مصنوعة في الصين!
