مراكز البيانات.. استثمارات ضخمة ووظائف محدودة

سارة أوكونور

من المتوقع أن تشهد بريطانيا زيادة كبيرة في إنشاء مراكز البيانات خلال العقد المقبل، ويأتي هذا التوجه ضمن رؤية حكومة حزب العمال الجديدة؛ حيث يسعى رئيس الوزراء كير ستارمر إلى تحويل المملكة المتحدة إلى مركز رائد لشركات الذكاء الاصطناعي الراغبة في بدء نشاطها أو توسيع أعمالها.

ولتحقيق هذا الهدف، تعتزم الحكومة تسهيل الإجراءات وإزالة العقبات البيروقراطية التي قد تعيق استثمارات القطاع الخاص في البنية التحتية الضرورية لتطوير وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.

إلا أن أرقام الوظائف الضخمة المعلن عنها في مشاريع مراكز البيانات تثير الشكوك، فقد أعلنت الحكومة أن استثمار شركة بلاكستون والبالغ 10 مليارات جنيه في مجمع لمراكز البيانات في منطقة نورثمبرلاند سيوفر «أكثر من 4000 وظيفة»، كما تحدث رئيس الوزراء ستارمر عن استثمارات ضخمة بقيمة 14 مليار جنيه من 3 شركات تكنولوجيا في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مؤكداً أنها «ستخلق 13.250 وظيفة في أنحاء المملكة المتحدة».

وتثير هذه الأرقام الدهشة، نظراً لاعتماد مراكز البيانات بشكل أساسي على التقنيات المتطورة، مثل الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بدلاً من العمالة البشرية. وللمقارنة، تشير شركة مايكروسوفت، إحدى كبرى شركات التكنولوجيا العالمية، إلى أن كل مركز من مراكز بياناتها يوظف حوالي 50 شخصاً فقط، فكيف يمكن تفسير هذه التوقعات المبالغ فيها لأعداد الوظائف الجديدة؟

لنأخذ مشروع نورثمبرلاند مثالاً، والذي يهدف إلى بناء 10 مراكز بيانات على أرض كانت مخصصة لإنشاء مصنع بطاريات «بريتش فولت» الذي لم ير النور. وبحسب وثائق التخطيط، فإن المشروع «يحتاج إلى ما يصل إلى 40 موظفاً فقط لكل مركز بيانات»، وحتى بعد اكتمال بناء جميع المراكز العشرة، المتوقع في عام 2035، سيصل إجمالي الوظائف الدائمة إلى 400 وظيفة فقط، وهو ما يمثل عشر العدد الذي روجت له الحكومة.

وبالنسبة لفرص العمل في قطاع البناء والتشييد، تتحدث الوثائق عن «ذروة توظيف شهرية تصل إلى 1.200 عامل»، ورغم أن هذه الوظائف ليست دائمة، إلا أن أعمال البناء ستستمر لمدة عقد كامل، ما يجعلها فرص عمل مستقرة نسبياً. لكن حتى بجمع الوظائف التشغيلية الدائمة (400) مع وظائف البناء (1.200)، يصل الإجمالي إلى 1.600 وظيفة فقط، وهنا يبرز السؤال المنطقي: أين بقية الوظائف التي تحدثت عنها الحكومة في إعلانها عن المشروع؟

يقودنا البحث عن الوظائف المفقودة إلى عالم أكثر تعقيداً: النماذج الاقتصادية التي تستخدمها الحكومات والمؤسسات لتقدير الأثر الاقتصادي للمشاريع الكبرى، حيث يعتمد الاقتصاديون في حساباتهم على مفهومين رئيسيين: الوظائف «غير المباشرة» و«المستحدثة». الوظائف غير المباشرة هي تلك التي تنشأ في سلسلة التوريد لدعم المشروع، أما الوظائف المستحدثة فهي التي تتولد نتيجة إنفاق الموظفين الجدد رواتبهم في الاقتصاد المحلي، مثل المطاعم والمتاجر والخدمات المختلفة.

وتكشف وثائق تخطيط مشروع نورثمبرلاند أن كل وظيفة مباشرة في مركز البيانات يمكن أن تخلق ما بين 5 إلى 7 وظائف إضافية في الاقتصاد المحلي والقطاعات المرتبطة، وبتطبيق هذه المعادلة، يتوقع المشروع خلق ما بين 2000 إلى 2800 وظيفة إضافية في الاقتصاد المحلي بمجرد تشغيل جميع مراكز البيانات العشرة.

وإذا أخذنا متوسط هذا النطاق (2400 وظيفة) وأضفناه إلى الوظائف المباشرة والإنشائية، سنصل إلى الرقم الذي أعلنت عنه الحكومة وهو 4000 وظيفة.

ورغم أنه من المنطقي توقع خلق وظائف إضافية في المجتمع المحلي نتيجة هذا المشروع الضخم، إلا أن الطريقة التي تحسب بها هذه الوظائف تثير التساؤلات، فالتقديرات غالباً ما تستند إلى نماذج نظرية تختلف بشكل كبير باختلاف القطاع الاقتصادي والبلد.

وفي هذا السياق، كشفت شركة بلاكستون أن المعامل المستخدم في وثائق تخطيط المشروع مستمد من دراسة أجرتها شركة «بي دبليو سي» حول تأثير مراكز البيانات في الولايات المتحدة. والمثير للاهتمام أن هذه الدراسة تم إجراؤها بتكليف من تحالف مراكز البيانات، وهو الجمعية التي تمثل مصالح هذا القطاع.

ويقول هنري أوفرمان، أستاذ الجغرافيا الاقتصادية في كلية لندن للاقتصاد، إن الأكاديميين عادة ما يكتشفون أن التأثير الحقيقي للوظائف الجديدة على سوق العمل المحلي أقل بكثير مما تتوقعه النماذج النظرية، مستشهداً بدراسة أجراها حول قرار هيئة الإذاعة البريطانية نقل 1.700 وظيفة من الوظائف المتوسطة وعالية المهارة إلى مدينة سالفورد في منطقة مانشستر الكبرى خلال عامي 2011 و2012.

وكشفت النتائج أن كل وظيفة في بي بي سي أدت إلى خلق 0.33 وظيفة إضافية فقط في قطاع الصناعات الإبداعية، وحتى مع مرور الوقت، لم يتجاوز هذا المعدل 0.55 وظيفة حتى عام 2017، والأمر اللافت أن الدراسة لم تجد أي تأثير ملموس على إجمالي التوظيف في المنطقة.

بالطبع، هذا لا يقلل من إيجابية المشروع بالنسبة لنورثمبرلاند. لكن السؤال الموجه للحكومة هو: لماذا تخاطر بفقدان ثقة الجمهور أو إثارة الشكوك عبر تجميع كل هذه التقديرات في رقم واحد ضخم، بينما كان بإمكانها اختيار نهج أكثر شفافية واحتراماً للمواطنين عبر تقديم الصورة الكاملة منذ البداية؟

كان يمكن للحكومة أن تتبنى خطاباً أكثر واقعية يقول: «سيوفر هذا المشروع عدداً جيداً من الوظائف المتخصصة، إضافة إلى فرص عمل في قطاع البناء والتشييد ستمتد لعقد كامل، ومن المتوقع أن يكون للمشروع تأثيرات إيجابية أوسع على الاقتصاد المحلي، وإن كان من الصعب تحديد حجم هذا التأثير بدقة»، صحيح أن مثل هذا التصريح قد لا يحظى بالاهتمام الإعلامي نفسه أو يبدو أقل حماساً، لكن الواقع يشير إلى أن المجتمع اليوم أصبح أقل تقبلاً للتصريحات المبالغ فيها والوعود الكبيرة.

مما لا شك فيه أن هناك العديد من الأسباب المقنعة التي تؤكد الأهمية الاقتصادية لمراكز البيانات، رغم المخاوف المشروعة المتعلقة باستهلاكها الكبير للطاقة والمياه، لكن الادعاء بأنها «مصدر رئيسي للوظائف المحلية» ليس أحد هذه الأسباب.

إذا كان ستارمر يريد حقاً تعزيز نمو الإنتاجية كما يصرح دائماً، فعليه أن يتبنى خطاباً جديداً يتقبل حقيقة أن بعض الصناعات المعاصرة قادرة على خلق قيمة اقتصادية كبيرة دون الحاجة إلى توظيف أعداد كبيرة من العمال، فهذه القطاعات الجديدة، التي تعتمد بشكل كبير على رأس المال والتقنيات المتطورة وليس على العمالة الكثيفة، تتطلب من حكومة حزب العمال تحديثاً جذرياً لخطابها السياسي والاقتصادي.